شعار قسم مدونات

ملف اللاجئين على الطاولة التركية.. الملامح والتداعيات (1)

blogs - عودة اللاجئين السوريين من تركيا إلى سوريا
يقول حقوقيون أتراك إن أخطاء شابت إجراءات ترحيل بعض الأجانب في الآونة الأخيرة (رويترز)

بعض القضايا والملفات التي تطرأ على أجندة الدول التي لها ثقل سياسي في المنطقة تأخذ طابعًا متأرجحًا بين النظر للمنفعة العامة للدولة وسياستها الداخلية التي تتوافق مع سياسات الحزب الحاكم وتوجهات الحكومة، والملف الذي نناقشه اليوم يمثل نموذجًا واضحًا لمثل هذه القضايا الشائكة التي تتشابك عناصرها، خاصة مع مرور الوقت؛ لذلك سوف نحرص خلال الأسطر القادمة على شرح الأمر بشيء من التفصيل؛ لفهم سياق تعامل الدولة التركية مع ملف اللاجئين، خاصة السوريين منهم.

كان حزب العدالة والتنمية الحزب الحاكم في تركيا يدافع عن اللاجئين ويحاول تقنين أوضاعهم وتوفير حياة كريمة لهم، والرد على الإشاعات الكاذبة حولهم، واتخذت موقفه مؤخرًا الأحزاب المتحالفة معه مثل حزب الحركة القومية؛ الحليف الأقرب للحزب الحاكم

التنافس الحزبي والأيديولوجي وتأثيره على اللاجئين

لا شك أن المنافسة الشرسة بين مختلف الأحزاب التركية ذات التوجهات والأيديولوجيات المتعددة كان لها تأثير كبير على وضع اللاجئين والمهاجرين، خصوصًا العرب منهم، حيث أصبحت ورقة المهاجرين ورقة تنافسية يحاول كل حزب أن يستخدمها لصالحه بما يتوافق مع أيديولوجيته وسياسات حزبه؛ فمثلًا استخدمت المعارضة التركية ورقة اللاجئين بشكل يتوافق مع أيديولوجيتها، حيث أشاعت العديد من الأخبار عبر صحفها وقنواتها التلفزيونية التي تدّعي حصول اللاجئين على امتيازات لا يحصل عليها المواطن التركي؛ مما أثار حفيظة عدد لا بأس به من المواطنين ممن أخذوا هذه الأخبار على محمل الجد واقتنعوا بها مع مرور الوقت، وتطور استغلال المعارضة ملف اللاجئين لدرجة أنه أصبح على الأجندة الانتخابية لها، بل وأصبح ضمن برنامجها الانتخابي عبر استحقاقات مختلفة، فأصبحت عبارة "طرد اللاجئين من تركيا" بمثابة شعار انتخابي يتردد على آذان الناخبين من حين لآخر، وما انتخابات الرئاسة التركية الأخيرة منا ببعيد، حيث كان الوعد الأول لمرشح حزب الشعب الجمهوري كمال كليجدار أوغلو هو طرد اللاجئين على الفور، وفي جولة الإعادة ظهرت في شوارع تركيا لافتات ضخمة تحمل شعار "السوريون سيرحلون.. اتخذ القرار".

وعلى الجانب الآخر، كان حزب العدالة والتنمية الحزب الحاكم في تركيا يدافع عن اللاجئين، ويحاول تقنين أوضاعهم وتوفير حياة كريمة لهم، والرد على الإشاعات الكاذبة حولهم، واتخذت موقفه مؤخرًا الأحزاب المتحالفة معه مثل حزب الحركة القومية؛ الحليف الأقرب للحزب الحاكم، ثم تبعه حزب الرفاه من جديد الذي يرأسه فاتح أربكان نجل البروفيسور الراحل نجم الدين أربكان، وغيرهما من الأحزاب المتحالفة مؤخرًا مع الحزب الحاكم والمندرجة تحت تحالف "الجمهور" الحاكم.

فأصبح ملف اللاجئين بهذا الشكل يتأرجح بين كفتي ميزان قويتين، تتجاذبه أطراف التنافس الحزبي والأيديولوجي في البلاد، مما كان له أثر بالغ على اللاجئين أنفسهم، حيث وجدوا أنفسهم داخل دائرة صراع لم يكن لهم يد في الدخول إليها أو البقاء فيها، بيد أن الظروف السياسية والتغيرات الاجتماعية واختلاف نظرة المواطن التركي للاجئ جعلت من الأمر مأساة إنسانية جديدة تلاحق اللاجئين، الذين فروا من بلادهم خوفًا من الظلم والاضطهاد.

اتخذ أكبر حزب للمعارضة في تركيا حزب الشعب الجمهوري وحليفه الحزب الاشتراكي موقفًا أكثر تشددًا بشأن اللاجئين، حيث ينتقدون على الدوام أردوغان لاتباعه سياسات غيّرت التركيبة السكانية لتركيا، حسب ادعائهم

الضغوط المؤثرة على تعامل تركيا مع قضية اللاجئين

يقول كثيرون في الآونة الأخيرة إن تركيا التي فتحت حدودها ومنازل أهلها للاجئين السوريين منذ بداية الثورة عام 2011، ونعتت عبر رئيسها رجب طيب أردوغان السوريين بالمهاجرين والأتراك بالأنصار؛ تبدلت اليوم وأصبحت تركيا جديدة غير التي تعرف عليها السوريون في بادئ الأمر، ويرى البعض أن اللاجئين السوريين بتركيا باتوا ورقة سياسية تشهرها المعارضة في وجه الحكومة قبل وإبان أي استحقاق سياسي، وترد الحكومة بحملات وتضييق لتبعد عن نفسها تهمة التساهل مع "غير الشرعيين".

ويرى أستاذ علم الاجتماع رجب شان تورك أن "حكومة العدالة والتنمية تعاني هذه الفترة من ضغط المعارضة، بعدما خسرت الأخيرة في الانتخابات البرلمانية والرئاسية، في محاولة منها لكسب أصوات جديدة والمحافظة على البلديات الكبرى التي بحوزتها، وهي إسطنبول وأنقرة وإزمير".

لذلك قامت المعارضة بتحريك ملف اللاجئين مجددًا، لكن هذه المرة بقوة أكبر، فردت الحكومة بحملات لملاحقة اللاجئين غير الشرعيين، وخصوصًا في إسطنبول.

حتى إن عددا لا بأس به من المواطنين الأتراك بدؤوا في الاستجابة لحملات التحريض من المعارضة، لدرجة الإساءة لبعض اللاجئين أو تحميلهم وزر التردي المعيشي والبطالة وتراجع سعر صرف الليرة، وهذه ادعاءات لا صحة لها مطلقا، إذ ربما يسهم اللاجئون في الاقتصاد التركي أكثر مما يستفيدون منه.

واتخذ أكبر حزب للمعارضة في تركيا حزب الشعب الجمهوري وحليفه الحزب الاشتراكي موقفًا أكثر تشددًا بشأن اللاجئين، حيث ينتقدون على الدوام أردوغان لاتباعه سياسات غيّرت التركيبة السكانية لتركيا حسب ادعائهم، ويعلنون صراحة عبر وسائل الإعلام المختلفة أهمية إعادة بناء العلاقات مع نظام بشار الأسد في سوريا من أجل إعادة جميع اللاجئين السوريين المتواجدين على الأراضي التركية.

ووعد حزب الشعب الجمهوري بأنه في حال فوزه في انتخابات الرئاسة الماضية، فإنه سيضع شروطًا لضمان عودة اللاجئين الطوعية إلى سوريا في غضون عامين من وصوله إلى السلطة، بما في ذلك فتح قنوات للحوار مع نظام الأسد، وتعزيز التعاون والتنسيق مع المجتمع الدولي، والمساهم في زيادة استثمارات البنية التحتية في سوريا، ومن جانبها دعت سابقًا ميرال أكشنار زعيمة حزب الجيد أردوغان إلى تعيينها مبعوثة خاصة للاجئين، مضيفة أنها ستكون سعيدة "بالسفر إلى سوريا ومصافحة الأسد وإعادة اللاجئين إلى ديارهم".

يشكل اللاجئون السوريون المعضلة الأكبر في ملف الهجرة غير النظامية، خاصة أن عددهم وصل إلى نحو 3.4 ملايين لاجئ، بينهم أكثر من 500 ألف في إسطنبول

الحملة الأمنية في المحافظات التركية الكبري

شهدت تركيا -خلال الأيام الأخيرة- حملة أمنية استهدفت من تسميهم السلطات التركية "المهاجرين غير النظاميين"، وانطلقت الحملة بشكل خاص في المحافظات التركية الكبرى مثل إسطنبول وأنقرة وإزمير، حيث سُجل كثير من حالات الترحيل التي شملت مئات الأجانب من جنسيات مختلفة، في مقدمتهم الأفغان والسوريون.

تزامن ذلك مع وقوع حوادث عدة في البلاد -نُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي- تشير إلى اعتداءات على أجانب، ووصفت بأنها عنصرية، بعد تكثيف السلطات في الآونة الأخيرة ما تقول إنها حملة على المهاجرين غير النظاميين، وباتت مشاهد المعتقلين أمرًا شبه يومي، حيث تم خلال شهري يونيو/حزيران ويوليو/تموز الماضيين القبض على 36 ألف مهاجر غير نظامي، رُحّل منهم 16 ألف شخص.

ومع تأكيد السلطات التركية أن عمليات الترحيل شملت المهاجرين غير الشرعيين ومخالفي القوانين، يقول حقوقيون أتراك إن أخطاء شابت ربما بعض إجراءات ترحيل بعض الأجانب في الآونة الأخيرة.

ويشكل اللاجئون السوريون المعضلة الأكبر في ملف الهجرة غير النظامية، خاصة أن عددهم وصل إلى نحو 3.4 ملايين لاجئ، بينهم أكثر من 500 ألف في إسطنبول التي شهدت أكبر حملة أمنية للشرطة التركية في ملاحقة المهاجرين.

واشتكى لاجئون سوريون من أن عمليات الترحيل تهدد جميع اللاجئين في تركيا، لكنه يتم التركيز على السوريين لأن عددهم هو الأكبر.

ومن السياق العام لإدارة ملف اللاجئين في تركيا يظهر جليًا أن الحكومة التركية باتت من الآن تستخدم برنامج مكافحة "الهجرة غير الشرعية" في إسطنبول كدعاية انتخابية من أجل التحضير لانتخابات البلديات المزمع إقامتها نهاية مارس/آذار 2024، حيث يبدو أن هذه الخطوة من أهم شعارات أردوغان خلال الفترة القادمة لاستعادة أكثر المدن التركية كثافة بعد خسارتها عام 2019 لصالح حزب الشعب الجمهوري المعارض.

ذكرت صحيفة "الوطن" السورية إلى أن تركيا وروسيا أعربتا عن إمكانية بدء اتخاذ الإجراءات في فبراير/شباط الماضي، ولكن حكومة دمشق أرادت مزيدًا من الوقت

التقارب التركي السوري بوساطة روسية وتأثيره على اللاجئين

بعد سنوات القطيعة، برزت تدريجيًا مؤشرات التقارب بين تركيا ونظام الأسد، وعلى هامش قمة إقليمية عام 2021، أجرى وزيرا خارجية البلدين محادثة مقتضبة غير رسمية.

بعدها، وفي 11 أغسطس/آب من العام الماضي، أعلن وزير الخارجية التركي السابق مولود جاويش أوغلو عن لقاء جمعه مع نظيره السوري فيصل المقداد، وجرت خلاله محادثة قصيرة بينهما على هامش اجتماعات حركة عدم الانحياز في بلغراد، مؤكدًا في الوقت ذاته ضرورة حدوث "توافق" بين المعارضة السورية والحكومة.

وأشارت بعض المصادر إلى أن الجانب التركي أراد وضع خارطة طريق على الطاولة مع النظام السوري من أجل العودة الآمنة للاجئين السوريين، إذ اقترح الجانب الروسي إمكانية تنفيذ النموذجين اللبناني أو الأردني أو ما يماثلهما، بشأن مسألة اللاجئين السوريين.

في حين ذكرت صحيفة "الوطن" السورية أن تركيا وروسيا أعربتا عن إمكانية بدء اتخاذ الإجراءات في فبراير/شباط الماضي، ولكن حكومة دمشق أرادت مزيدًا من الوقت.

وقال أردوغان في ديسمبر/كانون الأول الماضي إن احتمال لقائه مع الرئيس السوري بشار الأسد "ممكن"، وجدّد عدة مرات الإشارة إلى إمكانية حصول اللقاء بعد اجتماعات على مستوى وزيري الدفاع والخارجية.

ليخرج بعدها الأسد ويقول إنه لن يلتقي نظيره التركي الرئيس أردوغان إلا إذا سحبت تركيا قواتها من شمال سوريا، وعاد الوضع إلى ما كان عليه قبل الثورة السورية، وهو الأمر الذي رفضه أردوغان، مما جعل مسار المفاوضات بين البلدين متعثرًا حتى هذه اللحظة.

ومع تشكيل الحكومة التركية الجديدة بعد فوز الرئيس أردوغان بفترة رئاسية جديدة، فتح تعيين وزيري داخلية وخارجية جديدين في تركيا باب التساؤلات عن كيفية تعاطيهما مع الملف السوري الشائك، من جهة بقاء اللاجئين السوريين من ناحية، والمقدر عددهم بالملايين في تركيا، ومن ناحية أخرى من جهة التقارب الذي بدأته أنقرة مع نظام بشار الأسد أواخر العام الماضي، الذي لم يحقق تقدمًا كبيرًا بسبب الشروط المتبادلة.

بلا شك يعد ملف اللاجئين السوريين في تركيا ملفا معقدا ومتشابكا لأبعد الحدود، وتحاول أنقرة إدارته بشكل يحقق لها أكبر قدر ممكن من المنفعة السياسية، خصوصًا مع اقتراب انتخابات البلديات التركية، كما يسعى نظام الأسد لاستخدام ملف اللاجئين ورقة ضغط هو الآخر لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب، ومنها الاعتراف بشرعيته وانسحاب القوات التركية من الأراضي السورية.

في المقال القادم سنتعرف معًا على جدوى بعض الحلول المطروحة في ملف اللاجئين؛ كاقتراح إعمار الشمال السوري لإعادة توطين مليون لاجئ بالشمال السوري للعيش به بعد توفير الخدمات اللازمة له، كما سنتطرق لاستطلاعات الرأي التي حاولت معرفة رأي الشعب التركي في تواجد السوريين ببلاده.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.