شعار قسم مدونات

بين التَّقْييــسِ والمَنْهَجَــة

blogs - مالية

إنَّ في التَّقْييسِ/المَعْيَرَةِ القِياسِيَّةِ (Standardization) لإدارَةِ الأعمالِ المشاريعِيَّةِ حَلٌّ لمشكِلَةٍ، وتَلبِيَةٌ لحاجَةٍ، واغتِنامٌ لفُرصَةٍ. بِغَضِّ النَّظر عَمَّن كان وراء هذا العمل الاستراتيجيّ؛ معهد إدارة المشاريع (Project Management Institute PMI) أو غيره من المنظَّمات ذات الصِّلة والاختِصاص؛ ما دام الذي يُقَدَّمُ من تَقْييسٍ/مَعْيَرَةٍ قِياسِيَّةٍ يَتَّصِفُ بخَصيصَتَيْنِ اثنَتَيْن مُجتَمِعَتَيْن؛ هما: العُمومِيَّةِ والشُّمولِيَّةِ (Universality)، وقابلِيَّةِ التَّطبيقِ (Applicability)، على الأعمال المشاريعية في المجالات التطبيقية المختلفة، والصِّناعات (Industries) المتَنَوِّعَة، في واقِعِ البَشَرِيَّة.

لمــــــــاذا؟

بإيجازٍ كُلِّي؛ لتَزايُدِ الاهتمام وتَعاظُمِ المَيل في السُّوقِ العالميِّ قاطِبًا باتِّجاهِ المقارَبَةِ والأسلوبِ المشاريعِيِّ (Projectized) في إدارةِ الأعمالِ الاستِثْماريَّةِ وغَيرِها؛ ومَرَدُّ هذه الظاهِرَة بالأساسِ سَبَبانِ مَوْضوعِيَّانِ ظاهِرانِ ومُعاشَان؛ هما: ازدِيادُ "السُّرعَة المُتَّجِهَة" (Velocity) للسُّوقِ العالَمِيّ… وتعاظُمُ "التَّعقيدات" (Complexities) فيه…

 

أضحَت الحاجَةُ ماسَّةً لوُجودِ لُغَةٍ مشترَكَةٍ (Lingua franca) في إدارةِ الأعمالِ المشاريعِيَّةِ في عالَمِنا المُتقارِب "الزَّمَكانِ" (Spacetime)، والمتواصِلِ الأركانِ، بشكلٍ غير مسبوق؛ وهذا من خلال مِعيارٍ قِياسِيٍّ (Standard) واحِدٍ مُوَحَّدٍ لإدارة المشاريع.

 أما مَنشَأُ أولاهُما فهو تَغَلْغُلُ عامِلَي تِقْنِيَّة المعلومات (IT) والاتصالات/المُواصَلات عن بُعد (Telecommunications)… ومَنْشَأُ ثانيهِما سُعارُ "التَّنافُسِيَّة" (Competitiveness) المَحموم… ما كان مُؤَدّاهُ اختيارُ المستَثْمِرين وصُنّاعُ القرار المقارَبَةَ المشاريعِيَّةَ في الاستِجابَةِ للحالَةِ الموضوعِيَّةِ هذه؛ حيث توافُرُ المُرونَةِ والتَّكَيُّفِيَّةِ (Agility) من ناحية، ومن ناحيةٍ أخرى؛ وَجَدوا فيها النَّفْعَ الأعظَم والاستِغلالَ الأمثَل للمَوارِد (بَشَرًا، ومَعَدّات، ومَوادَّ، وسَوْقِيّات "Logistics") بما يُفضي إلى رَفْعِ الإنتاجِيَّةِ… وبالتالي العائدِ على الاستِثمار (ROI). فمِن بَدَهِيّات فَهْمِ وسُلوكِ البَشَر تَكْييفُ السَّرجَ للفَرَس! لا تَكْييف الفَرَس للسَّرج! بمعنى؛ يُكَيِّفون مُقارَبَتَهُم الإداريَّة (السَّرج) بما يخدِمُ طبيعَةَ أعمالهِم (الفَرَس)… والعَكْسُ غيرُ صحيح.

بناءً على هذا الأمر البَدَهيَّ؛ أضحَت الحاجَةُ ماسَّةً لوُجودِ لُغَةٍ مشترَكَةٍ (Lingua franca) في إدارةِ الأعمالِ المشاريعِيَّةِ في عالَمِنا المُتقارِب "الزَّمَكانِ" (Spacetime)، والمتواصِلِ الأركانِ، بشكلٍ غير مسبوق؛ وهذا من خلال مِعيارٍ قِياسِيٍّ (Standard) واحِدٍ مُوَحَّدٍ لإدارة المشاريع؛ نَتَبَنّى فيه الأجدَرَ والأكثَرَ أهلِيَّةً في تحقيقِ العُمومِيَّةِ والشُّمولِيَّةِ من ناحية، وقابلِيَّةِ التَّطبيق على الأعمال المشاريعية في المجالات والصِّناعات المُتَعَدِّدَة من ناحيةٍ أخرى، من بين المنهجيات (Methodologies) المختلفة والمتَنَوِّعَة؛ من مِثل (PRINCE2)، و(Waterfall)، و(Agile)، و(ITIL)، و(Scrum)، و(PRiSM)… وغيرها. كُلُّ ما مضى ذِكرُهُ؛ أتى من ناحِيَةِ "المُعاصَرَةِ" العَقلِيَّةِ الصَّريحَة.

أما من ناحِيَةِ "الأصالَةِ" النَّقلِيَّةِ الصَّحيحَة؛ فقد أوصانا رُسولُ رَبّ العالَمين صلى الله عليه وسلَّم بأن: "…احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ…". وقد ثَبَتَ في تاريخِ الإنسانِيَّةِ الإسلاميِّ أنَّ نشأةَ النُّظُم الإدارية المُتَمَثِّلَة في الدَّواوين (والدِّيوانُ كلمةٌ فارسيةٌ معناها السِّجِل أو الدَّفتَر الذي تُدَوَّنُ فيه الأسماء والأعمال والأموال… إلخ) كانت في العام الخامس عشر (15) الهجريّ (636 ميلاديّ)، في عَهْدِ الخُلَفاءِ الرّاشِدينَ الْمَهْدِيِّينَ رضي الله عنهم؛ نتيجة اتِّساعِ دولة الخلافة الإسلامية الراشدة في واقِعِ البَشَرِيَّة حينَذاك؛ وبالذات على أنقاضِ الانكِسارِ السِّياسِيِّ والعَسْكَرِيِّ! لإمبراطورِيّات الكُفْرِ والظُّلْم… واتصال المسلمين الفاتِحين عن قُرب بالأنظمةِ الإداريةِ الفارِسِيَّةِ والبيزَنْطِيَّة في الأقاليم، والتَّعَرُّف عليهما؛ حيث قاموا بالاختيارِ والانتِقاءِ من المَوجود، والتَّكْييف والإنشاء للمَنْشود؛ مِمّا احتاجوا إليه… كما أبقَوا على الكثير من الأنظمة الإدارية التي ثَبَتَ لهم نفعُها وصلاحِيَّتُها.

وفي هذا السِّياق الكُلِّيّ نُؤكِّدُ على رُؤيَتِنا في بناءِ نَظَريَّتِنا (Theory) الإداريَّة الإسلاميَّة المرجعيَّة في إدارة الأعمال المشاريعيَّة، والمُفضِي بدوره إلى وَضْعِ مِعيار إدارَةِ مَشاريعٍ قِياسِيٍّ (PM Standard) إسلاميٍّ إنسانيٍّ؛ بما يتلاءَمُ مع هُوُيَّتِنا الشرعِيَّةِ المنهجِيَّةِ والثَّقافِيَّةِ اللُّغَوِيَّةِ؛ كما فعل سَلَفُنا الراشدون المهدِيُّون رضي الله عنهم. وكُلُّ هذا على أساسِ ومن مُنطَلَقِ ثُلاثِيَّةِ: النَّقْلِ الصَّحيح، والعَقْلِ الصَّريح، والفِطْرَة السَّليمَة… وبِمُواصَفات: الأصالَةِ والمُعاصَرَةِ والإبداعِ.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.