مفاجأة علمية.. قارة أوروبا تحتر بضعف المعدل العالمي

يُتوقع أن يستمر التغير المناخي في رفع معدلات وشدة وطول موجات الحر والجفاف خلال القرن الحالي، وخاصة بجنوبي وجنوبي شرقي أوروبا، مما يتطلب تدخلا سريعا، على الأقل للحفاظ على الوضع الحالي قبل أن يتفاقم.

توصل فريق بحثي بقيادة علماء من جامعة ستوكهولم (Stockholm University) إلى أنه خلال الصيف كانت أجزاء كبيرة من قارة أوروبا تحتر بمعدل يساوي ضعف المتوسط العالمي، ويرجع العلماء ذلك لنفث كميات هائلة من الغازات المسببة للاحتباس الحراري.

وبحسب الدراسة، التي نشرت في دورية "جورنال أوف جيوفيزيكال ريسيرش: أتموسفير" (Journal of Geophysical Research: Atmospheres)، فإن الارتفاع في متوسطات درجة الحرارة بأجزاء كبيرة من القارة خلال 4 عقود مضت تخطى حاجز الدرجتين في نصف العام الصيفي، أي الفترة من أبريل/نيسان إلى سبتمبر/أيلول.

ويرى علماء جامعة ستوكهولم أن أهم أسباب ذلك هو نفث غازات الاحتباس الحراري طويلة الأمد -مثل ثاني أكسيد الكربون- في الغلاف الجوي، بشكل خاص من محطات الطاقة التي اعتمدت على الفحم في التسعينيات من القرن الماضي.

Coal power plants on earth emit over 12 Gt of carbon dioxide each year, nearly one third of the total emissions of carbon dioxide. Coal power plants constitute therefore the single largest source of the global warming. Coal power plants emit also sulphur dioxide that forms aerosols in the atmosphere. Coal power plants have decreased and increased substantially in Europe and East Asia, respectively, during the latest four decades. CREDIT Tomasz Matuszewski/Mostphotos
أهم أسباب احترار أوروبا هو نفث غازات الاحتباس الحراري طويلة الأمد (يوريك ألرت)

صوبة زجاجية

وبحسب بيان صحفي رسمي صدر من الجامعة يوم 22 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، فإن محطات الطاقة التي تعتمد على الفحم تنفث ثلث كميات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، مما يجعلها أكبر أسباب الاحترار العالمي.

ما يحدث هنا هو ما يسميه العلماء بـ"تأثير الصوبة الزجاجية"، حيث تدخل أشعة الشمس للأرض، ثم تمتصها الأخيرة، وتنفثها للفضاء مرة أخرى، لكن بارتفاع نسبة الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي (ثاني أكسيد الكربون بصورة خاصة) ترتفع قدرة هذا الغلاف على حبس جزء من تلك الأشعة ومنعه من الخروج، مما يتسبب في احترار الغلاف الجوي.

وقد تخطت نسبة ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي حاجز 400 جزء من المليون قبل حوالي 5 سنوات، أي أكثر من مرة وثلث ما كان موجودا قبل الثورة الصناعية، بل أكثر مما كان موجودا خلال مئات من الآلاف من السنوات السابقة.

An aerial view shows a branch of the Loire River as historical drought hits France, in Loireauxence, France, August 16, 2022. REUTERS/Stephane Mahe
موجات جفاف شديدة ضربت أنهار أوروبا هذا الصيف مثل نهر اللوار في فرنسا (رويترز)

تأثيرات مدمرة

وبحسب الدراسة الجديدة، فإن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، بل أصبح المناخ في جميع أنحاء قارة أوروبا أيضا أكثر جفافا، وبشكل خاص في جنوبي أوروبا، مما أدى إلى موجات أسوأ حرارة وزيادة مخاطر الحرائق، مثل الحرائق المدمرة في جنوبي أوروبا في صيف عام 2022.

وتأتي هذه الدراسة في سياق موجة جفاف أوروبية شديدة خلال الصيف الماضي ظل أثرها ممتدا إلى الآن، حيث انخفضت مستويات أنهار مثل اللوار في فرنسا، ونهر الراين الذي يمر عبر سويسرا وفرنسا وألمانيا وهولندا، ونهر بو وهو أطول أنهار إيطاليا، إلى مستوى جعل من الممكن عبور بعض المناطق في تلك الأنهار مشيا على الأقدام.

وكان مركز البحوث المشتركة التابع للمفوضية الأوروبية "إي سي- جيه آر سي" (EC-JRC) قد أشار في بيان صدر الصيف الماضي إلى أن موجة الجفاف الحالية التي تضرب أوروبا قد تكون الأسوأ منذ 500 عام، وتوقع أن يتفاقم الجفاف الشديد في أوروبا بحيث من المحتمل أن يصل إلى نصف القارة بالكامل.

موجات الجفاف الصيفية في أوروبا أصبحت أكثر حدة (وكالة الأنباء الأوروبية)

مستقبل حائر

وفي دراسة أجرتها جامعة "كمبريدج" العام الماضي ونشرت في دورية "نيتشر" (Nature)، جاء أن موجات الجفاف الصيفية في أوروبا قد أصبحت أكثر حدة بشكل لم يحدث منذ حوالي ألفي عام مضت، وأعادت تلك الدراسة بناء الطقس الصيفي على مدى كل الفترة التي غطتها الدراسة، من خلال تحليل حلقات أشجار البلوط الحية والميتة في جمهورية التشيك الحديثة وجنوب ألمانيا.

وفي هذا السياق، يُتوقع أن يستمر التغير المناخي في رفع معدلات وشدة وطول موجات الحر والجفاف خلال القرن الحالي، وبشكل خاص في جنوبي وجنوبي شرقي أوروبا، مما يتطلب تدخلا سريعا، على الأقل للحفاظ على الوضع الحالي قبل أن يتفاقم.

المصدر : مواقع إلكترونية