إصلاح الجامعة العربية في قمة الجزائر.. ما الذي يمكن تغييره؟

الجزائر- بعد انقشاع غيوم جائحة كورونا التي أجّلتها 3 مرات متتالية، يتهيأ الرؤساء العرب لعقد قمتهم الـ31 بالجزائر في الأول والثاني من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، وسط توقعات بمشاركة نحو 15 قائدا عربيا، وفق تصريحات صحفية أمس السبت للأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية حسام زكي.

ومنذ الخميس الماضي، بدأت التحضيرات لقمة الجزائر باجتماع المندوبين، ثم وزراء الخارجية، قبل أن تلتئم القمة العربية للمرة الأولى للقادة العرب منذ قمة تونس في 2019.

لؤي أحمد - الجزائر - استقبال الرئيس الجزائري لأمين عام جامعة الدول العربية يوليو 2022 - المصدر الرئاسة الجزائرية
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (وسط) يستقبل أحمد أبو الغيط في إطار التحضيرات للقمة العربية (الصحافة الجزائرية)

جدول أعمال مُثقل

ومن المركز الدولي للمؤتمرات “عبد اللطيف رحال“، وضعت الاجتماعات الأولية جدول أعمال أعدّه مسؤولون جزائريون وعرب، وُصف بأنه “مثقل وواعد” في الشؤون السياسية والاقتصادية.

وحصر الدبلوماسي عبد الحميد شبيرة سفير الجزائر في الجامعة العربية، خلال اجتماع للمندوبين العرب الخميس الماضي، جدول أعمال القمة العربية الـ31 في عدة ملفات يرتقب أن تناقشها قمة الجزائر، مؤكدا أن القضية الفلسطينية “ستكون بموقع جوهري ومحوري“.

ومن أبرز الملفات المطروحة أيضا: ملف الأزمة الليبية الذي صنفه المسؤول الجزائري في خانة “الأهمية الكبرى“، بالإضافة إلى ملف إصلاح الجامعة العربية.

وكان لافتا أيضا بروز ملف أزمة سد النهضة (بين مصر والسودان من جهة، وإثيوبيا من جهة أخرى)، بناء على تقرير لدولة مصر، بحسب الدبلوماسي شبيرة.

وأشار الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط إلى أن “الظروف الدولية الراهنة تستوجب من الدول العربية صياغة مواقف قوية“، لافتا إلى الأزمات في ليبيا واليمن وسوريا من خلال دعوته إلى “ضرورة التوصل لتسويات تُنهي مسلسل الدم“.

“قمة لمّ الشمل” طغت عليها أيضا الملفات الاقتصادية، عبر 24 توصية رُفعت إلى قمة القادة العرب الثلاثاء المقبل، تصدرها “الأمن الغذائي“.

اجتماعات وزراء الخارجية العرب، تحضيرا للقمة العربية في الجزائر Tunisia's Minister of Foreign Affairs Othman Jarendi (C), chairs the opening session of the preparatory meeting of Arab foreign ministers on October 29, 2022 in Algerian capital Algiers, ahead of next week's summit of heads of Arab states. (Photo by FETHI BELAID / AFP)
ملفات عربية عدة في مقدمتها القضية الفلسطينية والأزمات في ليبيا واليمن تصدرت اجتماع وزراء الخارجية (الفرنسية)

سياقات خارج الحدود وداخلها

وتأتي القمة التي يتوقع أو يأمل بعض مسؤولي الدول العربية أن تكون “تاريخية“، في سياق تطورات إقليمية ودولية معقدة يتوقع الخبراء أن تلقي بظلالها على أجندة القمة، بينها المصالحة الفلسطينية التي تحققت في الجزائر، والحرب الروسية الأوكرانية وتداعياتها خصوصا على الأمن الغذائي للدول العربية، رغم اتفاقها على الحياد في هذه الأزمة.

الإصلاح.. الملف الغائب

وقالت الجزائر في وقت سابق من الشهر الماضي إن جدول أعمال القمة المقبلة سيكون "كبيرا وأكثر طموحا"، ومن بينها "إصلاح الجامعة العربية".

وهو الملف الذي ظل غائبا عن أجندات القمم السابقة نتيجة خلافات بين بعض الدول الأعضاء، إذ كشفت الجزائر أنه سيكون بندا في القمة الـ31 وبطلب منها.

وفي مؤتمر صحفي الخميس الماضي، عقب توقيع الفصائل الفلسطينية وثيقة "إعلان الجزائر"، كشف وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة عن إدراج موضوع إصلاح الجامعة العربية في جدول أعمال القمة المقبلة بطلب منها، وأن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون سيقدم خلال القمة أفكار بلده بشأن إصلاح الجامعة.

والرؤية الجزائرية التي تتألف من 5 بنود، لم يكشف لعمامرة منها إلا بندا واحدا متعلقا بالمجتمع المدني، في حين اكتفى بالإشارة إلى أن البنود الأربعة الأخرى قائلا إنها "من الممكن أن تعطي نفسا جديدا للعمل العربي المشترك".

وهو العمل الذي توقع الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط أن "يشهد نقلة نوعية في القمة العربية القادمة" عقب زيارته الرابعة إلى الجزائر للوقوف على استعدادات انعقادها.

 

 

وعقب استقباله الاثنين الماضي من قبل الرئيس الجزائري بقصر "المرادية الرئاسي"، صرّح أبو الغيط بأنه يتطلع لأن "تكون قمة الجزائر للمّ الشمل العربي". وربط ذلك بما وصفه بـ"الزخم الجديد للعمل العربي المشترك" والتحديات الكبيرة التي تواجهها المنطقة، والتي وصفها بـ"الأزمات الضاغطة التي فرضتها الأوضاع العالمية".

وأشار أبو الغيط في السياق ذاته إلى أن هذه الأزمات "باتت تحتم على الدول العربية المزيد من التنسيق والتقارب والتوصل لآليات تتيح التعامل الناجح مع التحديات على الصعيد الدولي".

تدوير المنصب

وأكد خبراء جزائريون، في تصريحات للجزيرة نت، أن إدراج ملف إصلاح الجامعة العربية في أجندة القمة المقبلة "هو في حد ذاته نتيجة توافقات بين مختلف الدول العربية التي كانت تدعمه ولكنها تحفظت على مناقشته في القمم السابقة"، وتوقعوا أن تُفضي قمة الجزائر إلى "الحد الأدنى من الإصلاح" على الأقل.

بيد أن النقاش الذي عاد ليطفو مجددا هو إن كان الإصلاح الذي سيناقشه القادة العرب متعلقا بتدوير منصب الأمين العام لجامعة الدول العربية الذي كان مطلبا للجزائر ودول عربية أخرى في العقدين الأخيرين، أم يشمل هياكل وآليات عمل الجامعة العربية؟ التي وصفتها الأكاديمية الجزائرية سُبيلة العايب -في حديث للجزيرة نت- بأنها "مجرد شكل وتؤدي دورا ولم ترقَ إلى فاعل في الساحة الدولية".

ورجّح الدكتور حسين قادري أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة باتنة (شرقي الجزائر)، أن تصبح أفكار الجزائر لإصلاح الجامعة العربية حول تدوير منصب أمينها العام "محط خلافات" في القمة المقبلة.

كما توقع قادري أن تقدم الجزائر اقتراحات ذات علاقة بـ"رفع موازنة الجامعة العربية"، معتبرا أن هذا "يعني رفع مهامها في تقديم مساعدات للاجئين العرب وفي التنمية داخل الدول العربية وغيرها".

كما يعتقد قادري أن "آلية التصويت" قد تكون من بين الأفكار الجزائرية لإصلاح الجامعة العربية، وتوقع أن يتم إلغاء العمل بآلية الإجماع وتعويضها بـ"الأغلبية".

وقال الأكاديمي إن الجزائر "تضغط بقوة بالنظر إلى حجم المؤيدين لمواقفها داخل الجامعة العربية"، لكنه أبقى على احتمال ألا يتوصل القادة العرب إلى توافقات في مسألتي "التدوير وآلية التصويت". واستبعد أن يكون الإصلاح "راديكاليا مثلما تريده الجزائر ودول أخرى".

ولفت أيضا إلى احتمال طرح الجزائر بندا متعلقا بـ"عدم الاستعانة بأي طرف خارجي" أو كما سماه بـ"العدو" ضد أي دولة عربية، "دون الإشارة إلى بلد بعينه"، وذلك للوصول إلى "الحماية المشتركة في حال الفشل في التوصل إلى دفاع مشترك"، وفق تعبيره.

أما المحلل السياسي إلياس بوملطة، فقال إن تصريح وزير الخارجية الجزائري لم يوضح طبيعة الإصلاح المقصود، وقال في تصريح للجزيرة نت إن الجزائر "كانت من الدول السباقة منذ سنوات والمطالِبة بإصلاح هياكل جامعة الدول العربية وخاصة تدوير منصب أمينها العام".

ويرى أن أهم طرح يمكن التوافق عليه بين القادة العرب هو "إيجاد آلية لتفعيل القرارات وأن لا تبقى حبرا على ورق".

الكماشة الإقليمية والدولية

وفي سياق متصل، يرى الأكاديمي حسين قادري أن الأوضاع الإقليمية والدولية "ورقة مساعدة على طرح مقترح إصلاح الجامعة العربية"، مضيفا أن "العالم يتحرك من حول العرب وبوادر حرب عالمية ثالثة على الأبواب، والمنطقة دائما على الهامش".

وتوقع المحلل السياسي إلياس بوملطة أن "يتم إعطاء وجه آخر للجامعة العربية بالنظر إلى التطورات الجيوسياسية الحاصلة في العالم حتى تكون أكثر فعالية وتدافع عن مصالح الشعوب العربية".

منذ تأسيسها.. هل حققت جامعة الدول العربية أهدافها؟
يعتقد محللون أن إصلاح جامعة الدول العربية بات أكثر من ضرورة في ظل التحديات الإقليمية والدولية (الجزيرة)

"أكثر من ضرورة"

من ناحيتها، ترى الأكاديمية الجزائرية الدكتورة سُبيلة العايب أن ملف إصلاح الجامعة العربية "بات أكثر من ضرورة حتمية أمام القادة العرب وليس مطلبا أو خيارا يحتمل الخلاف كون البيئة الدولية تفرض ذلك".

وأوضحت، في تصريح للجزيرة نت، أن الدول العربية "بحاجة إلى هذا الإصلاح لأن الرهانات معقدة جدا، وعلى الجامعة أن تتكيف مع الأجواء والصراعات الدولية المستجدة، وأيضا مع طبيعة العلاقات الدولية الجديدة، ويجب إصلاحها وإلا لن تبقى أي فائدة من وجودها".

ووصفت الوضع العربي الراهن بـ"حالة اللاتجانس في البيئة الداخلية، ولهذا لا بد من إصلاح يأخذ بعين الاعتبار هذه الحالة حتى نفرز حلولاً ذات فعالية".

وربطت الأكاديمية الجزائرية "ديمومة بقاء الجامعة العربية" بتوصل القادة العرب في قمتهم المقبلة إلى إصلاح جذري لهذا الجسم من "أجل البقاء كفاعل وليس كمن يؤدي دورا". وقالت إن "العرب اليوم بحاجة إلى جامعة تؤثر في وضعيات العلاقات الدولية وتحل مشاكل الدول العربية وتعيد ترتيب البيت العربي".

المصدر : الجزيرة