هل ينجح عمران خان في مواجهة عسكر بلاده؟

الرئيس الباكستاني عمران خان
رئيس وزراء باكستان السابق "عمران خان" (الجزيرة)

لعل من يهتم بلعبة الكريكيت المشهورة في شرق آسيا، وفي فترة الثمانينيات والتسعينيات، يتذكر لاعب الكريكيت النجم الرياضي الباكستاني الدولي الذي كان من مشاهير اللعبة في باكستان والعالم، وكان يتحدى خلالها ويواجه لاعبين بارزين في فرق دولية منافسة باللعبة، وقد أمسى الآن يتحدى جنرالات الجيش، أقوى سلطة في باكستان.

عمران أحمد خان نيازي، الذي اكتسب شهرة وشعبية ونجومية، وشخصية كاريزمية جعلته يدخل عالم السياسة رسميا بشكل فاعل، بانتخابه رئيسا للوزراء في 2018، وقد وعد حينها ببناء باكستان جديدة، لكن تمت الإطاحة به العام الفائت، وانهالت عليه بعد ذلك بقليل الكثير من القضايا التي فاقت -كما يقول هو عن نفسه- 100 قضية متنوعة!

ومنذ ذلكم التاريخ، وهو في شدّ وجذب ومدّ وجزر مع النظام الحاكم الحالي، أو إن صحّ وجاز لنا التعبير: في جولات صراع وتحد مع العسكر، الذين لم يعد خافيا على أحد أنهم المتحكمون بمفاصل البلاد من وراء ستار، بعد أن صار هذا الستار شفافا لم يعد يخفي ما وراءه!

تعيش باكستان منذ عام أو أكثر غليانا ربما يفوق غليانات سابقات ماضيات، وقد بدأ الغليان الأخير تدريجيا بعد عزل عمران خان في أبريل/نيسان من العام الفائت، بسبب اتهامه بالفساد ودعم الإرهاب، ثم محاولة اغتياله في نوفمبر/تشرين الثاني، ليزداد الغليان أكثر فأكثر هذا العام بعد عدة محاولات لاعتقاله من منزله في لاهور، ليصل الأمر ذروته تقريبا بعد اعتقاله الشهر الماضي أثناء وجوده في محكمة بالعاصمة، بشكل أثار الرأي العام الباكستاني، وليس أنصاره فحسب!

رأى كثيرون في عملية الاعتقال تلك نوعا من التعسف والإهانة المقصودة، بهدف كسر هيبته وشخصيته وشعبيته أمام أنصاره قبل عموم الشعب الباكستاني، الأمر الذي أدى خلال فترة اعتقاله -التي لم تستمر أكثر من يوم أو بعض يوم- إلى أحداث قام غاضبون كُثُر بها، ليسوا من أنصاره فحسب، بل من غيرهم أيضا، كنوع من الرد على الاعتقال لكن بخطوات عملية غير متوقعة من الطرف الحاكم، وقد تمثلت في حرق ومهاجمة مقرات ومكاتب ومبان تابعة للجيش، ومواجهات عنيفة مع قوات الأمن، مما دفع حكومة شهباز شريف للاستنجاد بالجيش نفسه لضبط الوضع والأمن في مناطق عدة، أشهرها خيبر وبنجاب وإسلام آباد.

ماذا يريد خان؟

سؤال يبحث كثيرون خارج باكستان عن إجابته، والتي تدور حول رغبة عمران خان في ضرورة قيام الحكومة الحالية بترتيب ما يلزم لإجراء انتخابات مبكرة في أكتوبر/تشرين الأول القادم، وهذا ما لا يبدو في الأفق أي مؤشرات إلى قيام الحكومة الحالية به، بل إصرارها على محاكمة عمران بتهم الفساد والإرهاب التي وجهها إليه مكتب المحاسبة الوطني الذي يديره جنرال متقاعد، وهي التهم التي يرفضها عمران أساسا، ويعتبرها حجة من النظام الحاكم الحالي لقطع الطرق أمامه لخوض أي انتخابات قادمة، وقد تحدث عنه خان للجزيرة قائلا: "الحكومة الحالية والمؤسسة الأمنية والعسكرية يخشون عودتي للسلطة، لذا تجدهم يفعلون أي شيء لإبقائي خارجها. لم يحدث في باكستان أن آلافا من رجال الشرطة وجنود الدرك يحاولون اعتقال رئيس حكومة سابق، والسبب وراء ذلك أنهم يريدون وضعي في السجن لأنهم خائفون من مشاركتي في الانتخابات".

حكم الجنرالات

ويعتقد خان أن رئيس الحكومة الحالي شهباز شريف -الأخ الأصغر لنواز شريف المقيم في لندن، العقل المدبر والزعيم الروحي للحزب الحاكم الحالي- وساعده الأيمن في إدارة البلاد قائد الجيش الجنرال عاصم منير، صاحب أقوى منصب في البلاد بعد أن كان رئيسا للاستخبارات الباكستانية؛ من أسباب احتقان الحالة الباكستانية، وأنهما مصدر الغليان الحاصل في باكستان، وأنهما من يضع العراقيل أمامه لمنعه بكل الطرق من الترشح للانتخابات والقيام بحملات انتخابية.

المراقب للأوضاع في هذا البلد يدرك أن الجيش هو العنصر الفاعل الحقيقي الذي يدير البلاد، وإن كان بواجهات مدنية عبر أحزاب، وأن الدخول معه في خلاف أو صراع أو تحدّ -كما الحاصل الآن- أو السير على غير هواه ورؤيته؛ لا يكون عادة ذا جدوى، إذ سيتم فرض ما يريده الجيش، رغبة أو رهبة، طال الزمن أم قصر، وإن أحداثا ماضية كثيرة شاهدة على هذا، فقد مرّ على باكستان منذ الاستقلال أكثر من 30 رئيس وزراء، لم يكمل أحدهم مدته، والسبب هو الدخول في خلافات وصراعات وتحديات مع الجنرالات، فكانت الكلمة دوما للعسكر.

رؤية عمران

اليوم يريد عمران خان -ومعه أنصاره وربما غيرهم ملايين كُثُر من عموم الباكستانيين، تحسين حال ووضع البلاد، خاصة الأوضاع الاقتصادية، ومعالجة ارتفاع معدل التضخم، وتراجع الروبية، وتراكم الديون. ويرى أن ذلك أمر ممكن لو أن الجيش تحول لأداة وطنية لحماية البلاد، دون الخضوع لمصالح وإستراتيجيات قوى أجنبية مؤثرة كالولايات المتحدة، وأن يعود لمعسكراته وثكناته على الحدود، بدلاً من الانشغال بإدارة سياسات البلاد والتحكم بمفاصلها وأجهزتها المختلفة، خاصة أن عمران في مناسبات عديدة أفاد بأن الجيش متهم بالإطاحة به بتوجيه أميركي، ردا على ترحيبه بعودة طالبان لحكم أفغانستان، وارتفاع نبرة التحدي عنده للغرب، بالإضافة إلى زيارة له قام بها لروسيا رغم الاعتراضات الأميركية، حيث يعتبر خان أن تلك الزيارة ربما كانت الشرارة الأولى في عملية الإطاحة به.

كما يرى عمران وحزبه وآخرون معه من خارج الحزب، أن باكستان تستحق بعد كل هذه السنوات منذ الاستقلال، أن تدار عبر أحزاب مدنية سياسية أمينة مسؤولة، لا أن تخضع لأمزجة وأهواء الجنرالات أو الخارج، بل أن تكون معبّرة عن تطلعات وهموم الشعب الذي لا بد أن تكون له الكلمة العليا والأخيرة في اختيار من ينوب عنه في إدارة دفة البلاد، ومن ثم مراقبة أدائه ومحاسبته حال التقصير في عمله، شأنه شأن أي شعب يرغب في العيش في ظل نظام ديمقراطي.

هل ينجح عمران خان في رحلة تحدي الجنرالات، أم أن مصيره لن يختلف عن رؤساء وزراء سابقين: إما التصفية أو متابعة مجريات الحياة الباكستانية المتنوعة لكن من وراء جدران سجن ما، خاصة أن ما يجري الآن في باكستان كأنما هو إعادة للسيناريو المصري المعروفة قصته.

ظني أن الأيام القادمة حبلى بالكثير من الأحداث في هذا البلد النووي، وربما بالكثير من المفاجآت أيضاً. لكن في كل الأحوال، لا نتمنى أبداً خسارة دولة مسلمة أخرى بدخولها أنفاق الاضطرابات والتوترات ومتاهات، ففي عالمنا الإسلامي ما يكفي من نماذج عاجزة فاشلة مضطربة، ولسنا بحاجة للمزيد.