جماليات الفيلم القصير في مهرجان "رحمة للعالمين" السينمائي التركي (1)

تنساب المياه على قدمي الفتى الأفغاني "غلاب جول" وهو يغسل إحدى قدميه باستخدام الأخرى بداية الوضوء بينما يصب له عمه الماء استعدادا للصلاة. تبدو حركات القدمين التي تحل محل الذارعين مدهشة وهو يغسل بهما وجهه، ويقوم ويجلس من دون الاعتماد على يديه لأنه لا يمتلك ذراعين. وبعد الصلاة، يبدأ الفتى مراجعة دروسه باستخدام قدميه اللتين يكتب بهما وهو جالس على الأرض بإحدى القرى النائية القابعة وسط جبال أفغانستان الشاهقة.

يروي الفتى كيف توفي والده قبل 5 سنوات، وأن عمه هو من يرعاه، والذي من دونه لم يكن ليستطيع عبور النهر إلى ضفته الأخرى في الفيلم الوثائقي التركي القصير "غلاب جول" للمخرج التركي سميح سغمان، من إنتاج عام 2022 والذي كان ضمن عروض مهرجان "رحمة للعالمين" السينمائي الدولي للفيلم القصير في إسطنبول خلال دورته هذا العام.

يحمل الفيلم عددا من القيم في رمزية رحلة اكتشاف الذات وثقافة الآخر وقيمة اكتشاف الأمل وسط الصعوبات واليأس التي تمثله الأمواج العالية

يستغرق الفيلم 11 دقيقة، وهي مدة متوسطة في مثل هذه النوعية من الأفلام القصيرة التي تتراوح عادة ما بين 4- 20 دقيقة. ويستبطن الفيلم معاني الرحمة في علاقة الفتى بعمه، ولمسات مساعدته إياه. كما يعكس معاني الرضا في شعور امتنان الفتى تجاه عمه، وأنه يتخيل مدى صعوبة عبور النهر ومواجهة الحياة من دون عمه. وهي معان يحاول المهرجان أن يوصلها استلهاما من قيم الرحمة في سيرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من خلال الأفلام القصيرة من دول مختلفة حول العالم مثل إيطاليا وباكستان وبلجيكا وروسيا والصين وكوريا الجنوبية، بالإضافة إلى تركيا. وهي أفلام تنوعت بين الفيلم الخيالي والوثائقي والرسوم المتحركة.

هذه المعاني الإنسانية تتجسد أيضا في الفيلم الوثائقي التركي "فوغا" للمخرج الأميركي كلينت ديفيس، في قصة الشاب الإسباني "كيبا ستيل" الذي يهوى رياضة ركوب الأمواج فتقوده هذه الهواية إلى قرية "فوغا" في أقصى شرق تركيا على ساحل البحر الأسود، والمعروفة بأمواجها العالية من أجل المغامرة وركوب أمواجها العالية. يلتقي الشاب ستيل بآخر تركي وصل إلى البلدة ذاتها ليكتشف الفرص المتاحة في هذه البلدة. تتقاطع رحلتا الشابين ويمارسان معا ركوب الأمواج، بينما يغوصان في الثقافة المحلية ويأسرهما كرم السكان المحليين. وبينما يرى أهالي القرية في الأمواج قسوة وأمرا سلبيا يحرمهم من المقومات السياحية، ساعد الشبان أهالي القرية في اكتشاف مزايا الموجات كعامل جذب سياحة من نوع آخر، وهي سياحة رياضة ركوب الأمواج.

يحمل "فوغا" عددا من القيم في رمزية رحلة اكتشاف الذات وثقافة الآخر، وقيمة اكتشاف الأمل، وسط الصعوبات واليأس التي تمثله الأمواج العالية. وقد عُرض الفيلم في اليوم المخصص للأفلام التركية، إذ كان المهرجان ذا شقين أحدهما تركي محلي والآخر دولي. ولهذا ستركز هذه المقالة على الجزء التركي، بينما نتناول الجزء الدولي الأسبوع القادم إن شاء الله.

وقف رعاية السينما التركي

ما لفت نظري في المهرجان أن القائم على رعايته هو وقف فيدان الخيري، والمعني بتقديم عديد من الأنشطة الثقافية والفنية والثقافية للتعريف بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ومنها هذا المهرجان السينمائي الدولي. وبحسب المنظمين، فإن المهرجان هو الأول من نوعه كمهرجان سينمائي للفيلم القصير المخصص لهذا الغرض والذي يقدم المبادئ الإنسانية التي تقدمها الرسالة المحمدية، ولم يساوم عليها أو يغيرها الرسول صلى الله عليه وسلم طوال رحلة حياتها بالرغم مما اكتنفها من صعوبات وملمات. وهي مبادئ في جوهرها رحمة لكل العالمين بغض النظر عن انتماءاتهم وخلفياتهم.

بسبب الحاجز اللغوي الذي يمنع من استقاء المعرفة الدينية عبر كتب التراث أو فهم معاني القرآن الكريم مثلت العلاقة الروحية مع شخصية النبي عليه الصلاة والسلام أساسا للتدين التركي

يشترط منظمو المهرجان أن تكون الأفلام عن موضوعات غير سياسية أو قضايا دينية مباشرة لأن هدفهم ليس وعظيا بقدر ما هو فني جمالي. كما يعد المهرجان فرصة للشباب الذين يدرسون أو تخرجوا من أكاديمية السينما التابعة للوقف في المشاركة بالتنظيم، والتعامل مع مخرجين من دول مختلفة، وعرض أفلامهم في المهرجان كنوع من التدريب على التعامل مع عالم المهرجانات بشكل عملي.

كان عندي تحفظ حول كيفية انعكاس مثل هذه القيم سينمائيا، وما يمكن أن تقدمه من هوية سينمائية مختلفة عما هو سائد وقائم بالفعل في عالم صناعة السينما من الأفلام الإنسانية العامة. وعندما طرحت هذه التحفظ على إدارة المهرجان أجابوا بأنهم لا يجزمون بأن لديهم إجابات واضحة حول تقديم سينما ذات خصوصية من ناحية اللغة السينمائية في هذا المجال، لكنهم يؤكدون أن ما يضمنونه هو تجسيد مجموعة من القيم بَشَّر بها الرسول صلى الله عليه وسلم، في موضوعات الأفلام المعروضة والمشاركة في المسابقات، وهي الشكر والتواضع والرحمة والصبر والتسليم والتعاطف تجاه الأسرة، والعفو عن الذنب، والكرم ليس تجاه البشر فقط ولكن تجاه الحيوان والنبات أيضا. بالإضافة إلى أنهم يعتبرون أن ربط قيمة الرحمة بالرسول عليه الصلاة والسلام هو ربط صحيح، وأنه يدفع كثيرا من المخرجين غير المسلمين للبحث في سيرته لاكتشاف مدى مطابقة أفلامهم لمعايير المهرجان، وبالتالي يعرفون أكثر عنه وعن حياته ورسالته.

يتقاطع هذا التبرير مع ما ذكره الدكتور ياسين أقطاي -في مقالتين على موقع الجزيرة نت خلال الشهرين الماضيين حول خصوصية علاقة الأتراك مع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم- وأنه بسبب الحاجز اللغوي الذي يمنع من استقاء المعرفة الدينية عبر كتب التراث أو فهم معاني القرآن الكريم، مثلت العلاقة الروحية مع شخصية النبي عليه الصلاة والسلام أساسا للتدين التركي. ومن هنا تمحور كل ما هو جمالي أو فني من شعر وخط وفنون حول شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يعد مصدر الإلهام والصلة مع الدين الإسلامي. ولهذا تبدو هذه المحاولة السينمائية للتعبير عن الحب للرسالة المحمدية أمرا مفهوما لدى الأتراك كآلية تعبير فنية تنتظم مع غيرها من وسائل التعبير الأدبية والفنية.