استخدام الخوارزميات في الاتصال السياسي.. كيف يؤثر على الديمقراطية؟

فتحت ثورة الاتصال مجالات جديدة للتحكم في سلوك الجماهير السياسي باستخدام الخوارزميات وتحديد نوعية المضمون الذي يصل إلى الجماهير.

كان من أهم وسائل التحكم في سلوك الجماهير وتوجيهها لاتجاهات وخيارات بعينها، هو تطوير نظم لاكتشاف تفضيلات الأفراد واتجاهاتهم السياسية وانتماءاتهم الدينية والفكرية والعرقية، وبناء على هذه المعلومات يتم توجيه المضمون إلى الأفراد بهدف التحكم في سلوكهم السياسي ودفعهم لاتخاذ قراراتهم في الانتخابات طبقا للمضمون الذي تعرضوا له عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

هذه النظم تقوم بمتابعة سلوك الأفراد واستخدامهم لوسائل التواصل الاجتماعي وتعرضهم للمضمون، بهدف اكتشاف اتجاهاتهم وميولهم ورغباتهم وعواطفهم وإمكانيات التأثير عليهم، وبناء على قاعدة المعلومات التي يتم بناؤها تقوم هذه النظم بتوجيه المضمون الذي يمكن أن يؤثر على الأفراد.

الشعوب وتطبيقات الذكاء الاصطناعي

ساهمت تطبيقات الذكاء الاصطناعي في بناء قواعد بيانات حول تفضيلات الجمهور وتوجيه المضمون للأفراد عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مثل فيسبوك وتويتر وإنستغرام ويوتيوب وتيك توك. وباستخدام الخوارزميات يتم تحديد اتجاه كل فرد من خلال تعليقاته ومشاركاته وإعجابه برسائل معينة، وبذلك يتم اكتشاف ماذا يريد الفرد وما المضمون الذي يفضله ويبحث عنه وما نوع المواد التي يتفاعل معها.

التحيز ونوعية المضمون

وبناء على قواعد البيانات التي يتم تشكيلها بواسطة الخوارزميات حول تفضيلات الجمهور يتم نشر المضمون، ونتج عن ذلك انتشار نوعية هابطة من المضمون، حيث تم اكتشاف اهتمام جمهور كبير بها وهذا يؤثر على جودة المضمون الذي يتدفق عبر الإنترنت بشكل عام.

لذلك تساهم دراسة دور الخوارزميات في زيادة قدرتنا على تفسير عملية انتشار المضمون الهابط مثل مقاطع الفيديو التي تتضمن إيحاءات جنسية أو أخبارا زائفة. فالخوارزميات توضح ارتفاع شعبية المواد الهابطة واستجابة عدد أكبر من الجمهور لها، ولذلك تناقصت إمكانيات نشر المضمون الجاد وأثر ذلك على مستوى ثقافة الجمهور واهتمامات الأفراد .

كما أدى انتشار هذا المضمون -على أساس ارتفاع شعبيته- إلى تقليل قدرة الأفراد على إصدار أحكام مستقلة.

التحكم في تدفق المعلومات

أدى استخدام الخوارزميات إلى تطوير أساليب التحكم في تدفق المعلومات والمضمون، حيث تم إنشاء الكثير من الحسابات الزائفة واستخدام الروبوتات في إغراق الشبكة بمضمون يهدف إلى تصوير شعبية حاكم أو مرشح أو اتجاه سياسي وفكري.

أدى ذلك إلى زيادة التحيز والتلاعب باتجاهات الجماهير والتحكم فيها والتأثير على سلوكها السياسي، فهذه الحسابات الوهمية أو الزائفة أثّرت على عملية تحديد الشعبية والسمعة والتفضيلات والتحكم في الشبكات الاجتماعية.

حملات التضليل والدعاية

كان من أهم التأثيرات السلبية لاستخدام الخوارزميات: زيادة تدفق المعلومات التي تؤدي إلى تضليل الجماهير وتصوير شعبية مرشح أو حزب بهدف التأثير على السلوك السياسي للجماهير، لذلك ظهر مفهوم الدعاية "الآلية" (Automated propaganda)، وهو يشير إلى استخدام الروبوتات للتأثير في عملية الاتصال السياسي والتلاعب باتجاهات الجماهير وصنع شعبية لمرشحين أو اتجاهات سياسية عن طريق التحكم في تدفق المضمون.

أصبح هناك الكثير من الحسابات الوهمية التي تتم إدارتها بواسطة الروبوتات لصنع وسوم (هاشتاغات) تؤثر على إدراك الجمهور للقضايا والأشخاص، لذلك شكلت الدعاية التي تتم عن طريق الحواسب وأجهزة المحمول مرحلة جديدة في الاتصال السياسي، أصبحت فيها الآلة تتكلم وتؤثر على قرارات الناخبين.

الخوارزميات السياسية

هناك الكثير من المؤشرات على أن الخوارزميات والروبوتات أصبحت تستخدم للتلاعب بالرأي العام، عن طريق بناء الأجندة الإعلامية والمجتمعية وتغيير مسار مناقشة القضايا العامة.

على سبيل المثال، تم استخدام حسابات وهمية في الانتخابات الأميركية عام 2016، لنشر شائعات سياسية وأخبار زائفة وتوجيه الناخبين لروابط تتضمن أخبارا سياسية تؤثر على سلوكهم.

كما يتم إنتاج مضمون لناخبين يبحثون عن معلومات سياسية معينة خلال الأزمات السياسية، وذلك لتأييد مرشحين أو زيادة التعاطف معهم بتصويرهم بأنهم يتمتعون بشعبية، عن طريق إرسال الكثير من التغريدات على تويتر لحث المواطنين على التصويت لمرشح ما.

بناء صورة المرشّح وسمعته

تزايد خلال العقد الماضي استخدام الخوارزميات لبناء الصورة الذهنية للأحزاب والمرشحين، عن طريق بث الكثير من التغريدات التي توحي بأن هناك إجماعا شعبيا حوله، كما أصبحت الخوارزميات تستخدم بشكل إستراتيجي في الحملات السياسية.

تم استخدام الخوارزميات في ترويج الاتهامات ضد مرشحين منافسين. فعلى سبيل المثال، في الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2016، تم استخدام شبكة واسعة من الحسابات الآلية الوهمية على تويتر وفيسبوك للترويج لاتهام هيلاري كلينتون بالفساد، وقام مؤيدو ترامب بنشر هذه الاتهامات بشكل واسع.

هل أصبح المجال العام مفتوحا وتصعب السيطرة عليه؟

علق الكثير من علماء الإعلام والاتصال آمالا على الإنترنت، تتمثل في أنها سوف تفتح المجال العام لمناقشة حرة حقيقية وأنها ستوفر المعرفة للجمهور عن قضايا المجتمعات، لكن دراسة استخدام الخوارزميات والروبوتات أوضحت أن كانت هناك مبالغة في تلك الآمال، حيث قامت الشركات باستخدام الخوارزميات للتحكم في مناقشة قضايا معينة وتجاهل قضايا أخرى، وبناء شعبية الاتجاهات اليمينية في أوروبا؛ مما أدى إلى صعود هذه الاتجاهات ووصولها إلى الحكم.

استخدمت السلطات المستبدة الكثير من الحسابات الوهمية واللجان الإلكترونية للتأثير على مناقشة القضايا وإعطاء انطباع زائف بشعبيتها وشرعيتها. هذا يعني أن الإنترنت لم تحقق الوعد بتحقيق الديمقراطية المفتوحة كما تم الزعم، فالأقوياء والأغنياء وأصحاب السلطة ما زالت لديهم القدرة على التحكم في تدفق المعلومات وإغلاق المجال العام على الآراء والأفكار التي تتوافق مع الشروط التي تضعها الشركات التي تتحكم في وسائل التواصل الاجتماعي.

انتشار العنصرية وخطاب الكراهية

من أهم التأثيرات السلبية لظاهرة استخدام الخوارزميات في وسائل التواصل الاجتماعي، نشر خطاب الكراهية والأفكار التي تشجع على الكراهية والإسلاموفوبيا.

أدى ذلك إلى خوف الكثير من الناس من التعبير عن آراء وأفكار يمكن أن تساهم في تحقيق الإصلاح في المجتمعات، حيث يتم استخدام الروبوتات في رفض هذه الأفكار وإثارة الخوف والرعب من التعبير عن آراء معينة.

يشكل ذلك خطرا على مستقبل البشرية كلها، فالشركات التي تمتلك القدرة على إدارة تدفق المعلومات والمضمون يمكن أن تشعل الصراع في الوقت الذي تريده وبالطريقة التي تريدها، فالذين لا يملكون القدرة على التعبير عن أفكارهم وآرائهم يشعرون بالظلم واليأس والإحباط، لذلك لا يكون أمامهم سوى استخدام أساليب عنيفة لجذب الانتباه ونشر أفكارهم ووضعها على الأجندة العالمية.

الديمقراطية وانتشار ظاهرة التفاهة

من أهم الظواهر التي تؤثر على الديمقراطية والمشاركة السياسية: انتشار ظاهرة التفاهة والسطحية، حيث تم استخدام الخوارزميات في التلاعب باتجاهات الشعوب عن طريق نشر المنتجات الفنية التي تدفع الناس للتفاهة والسطحية، وعدم الاهتمام بالثقافة الجادة وقضايا المجتمع والتخلي عن حقهم في المشاركة السياسية.

لقد تم إغراق الناس بالكثير من المنتجات الفنية المسلية مثل الأفلام والأغاني ومشاهد الرقص والعري، وهذه المنتجات يتم الترويج لها بشكل واسع واستخدام الروبوتات لتحظى بملايين الإعجابات والمشاركات، فيحصل منتجوها على دخل كبير، ويؤدي انتشارها إلى إلهاء الناس عن قضاياهم الحقيقية ونشر التفاهة والسطحية ودفع الشباب للابتعاد عن العلم والفكر والكفاح.

أصبح هناك الملايين من الشباب يعتقدون أن أقصر الطرق إلى النجاح والحصول على الدخل المادي هو إنتاج التفاهة والابتعاد عن السياسة وعدم الطموح للقيام بأدوار قيادية، وهذا يشكل عاملا مهما يساهم في تفسير عدم المشاركة السياسية وتناقص قدرات الشباب على الابتكار والإبداع.

إن الانتشار الواسع للمنتجات الفنية التي تدفع الشباب للتفاهة والسطحية يثير الشكوك حول قيام الشركات باستخدام الروبوتات للعمل على ترويجها عن طريق تصويرها بأنها تحظى بإعجاب الملايين، وذلك لنشر التفاهة والسطحية وإلهاء الشعوب والتقليل من قدرة الشعوب على الحصول على المعرفة التي تزيد وعيها وقدرتها على الكفاح لتحقيق التغيير.

شعوب لا تكافح لتحقيق الأهداف

إن قيام الشركات باستخدام الروبوتات في إغراق الناس في التسلية يؤدي إلى تقليل قدرات الشعوب على الكفاح لتحقيق الديمقراطية والقيام بأدوار حقيقية تؤدي إلى رقي مجتمعاتهم، وحماية الحقوق الأساسية للإنسان مثل حقه في الكرامة والعدالة وتحقيق الاستقلال الشامل.

فعندما يجد الإنسان أن هذا المضمون التافه هو السائد، وأن منتجي هذا المضمون يتمتعون بشعبية كبيرة، يفقد ثقته في نفسه وفي أهمية العلم والمعرفة والسياسة والبطولة والكفاح.

إن الكثير من العلماء أصبحوا يسمعون الآن من أبنائهم أسئلة مثل: ما أهمية الشهادات العلمية التي حصلت عليها، وما قيمة العلم، ولماذا ضيعت حياتك في الاجتهاد لتحصيله؟!

هذا يوضح لنا أهداف الشركات التي تستخدم الخوارزميات لإلهاء الشعوب ودفعها للخضوع لواقع كئيب ومظلم صنعه التحالف بين الاستبداد والاستعمار والرأسمالية.

ما البديل؟

دراسة استخدام الخوارزميات في التحكم في المعلومات والمعرفة التي تتدفق للجماهير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، توضح لنا الكثير من الآثار السلبية على الديمقراطية ومستقبل الدول. وقد تزايد التأثير السلبي للاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي نتيجة تناقص الثقة في وسائل الإعلام، مثل الصحافة المطبوعة وقنوات التلفزيون وسيطرة السلطات عليها.

هذا يدفعنا إلى التحذير من خطورة التحكم في المعرفة التي تحصل عليها الشعوب باستخدام الخوارزميات والروبوتات، فهذه الظاهرة تؤدي إلى انهيار الديمقراطية خاصة في أوروبا وأميركا، بالإضافة إلى انتشار العنصرية والكراهية.

كيف يمكن حماية البشرية من التلاعب باتجاهات الجماهير وتضليلها؟

تطورت أساليب الذكاء الاصطناعي، لكن هذا التطور أصبح يحمل الكثير من المخاطر على المجتمعات، فالروبوتات تقوم بتصوير الأفكار العنصرية بأنها تتمتع بشعبية كبيرة، فتصل الاتجاهات اليمينية إلى الحكم وتقوم بإشعال الصراعات العالمية، في الوقت الذي يمتنع فيه الكثير من الأفراد عن التعبير عن آرائهم خوفا من أصحاب الاتجاهات العنصرية الأوروبية ومن السلطات الاستبدادية.

عندما يتزايد ذكاء الروبوتات في التأثير على الرأي العام، تتناقص قدرة الشعوب على الكفاح لتحقيق الديمقراطية وفرض إرادتها واختيار حكامها ونوابها، والحصول على المعرفة التي تمكنها من تحقيق أهداف عظيمة.

كيف يمكن أن نواجه هذه الظاهرة؟

إن نشر الوعي الإعلامي والثقافي والعمل على زيادة قدرات الفرد على نقد المضمون الذي يتعرض له، هو أهم الوسائل للانتصار في معركة الحرية والديمقراطية وتدفق المعرفة، لكن هل تقوم الجامعات العربية بوظيفتها في تقديم دراسات ومشروعات لحماية الشعوب من التضليل والتحكم في اتجاهاتها وحماية تدفق المعرفة؟