منهج النظر إلى الإسلام السياسي

صدر هذا العام كتاب "العلوم السياسية للشرق الأوسط: النظرية والبحث منذ الربيع العربي" (The Political Science of the Middle East: Theory and Research Since the Arab Uprisings)، والكتاب عبارة عن مراجعة شاملة وجماعية لحقل العلوم السياسية المخصص لدراسات الشرق الأوسط الذي تم إنتاجه باللغة الإنجليزية أساسا. حمل الفصل السابع منه عنوان "الإسلام والإسلامية"، وهو استعراض شامل لعلاقة الإسلام بالسياسة بعد الانتفاضات العربية، والتي رأى فيها المؤلفون أنها بثت "حياة جديدة في دراسة الإسلام والسياسة في الشرق الأوسط".

ميزة الفصل ونقطة ضعفه أيضا أنه يقدم لنا بعد الاستعراض المفصل للحقل الدراسي ثلاثة اتجاهات مستقبلية يجب أن تأخذها الدراسات والبحوث المخصصة لهذا المجال، وقد جرى استخلاصها من قراءته للأحداث التي جرت على مدى سني الانتفاضات العشر أو تزيد، هذه الاتجاهات هي:

  1. الاتجاه الأول، هو الانحدار الاستبدادي الذي حدث في أعقاب الانتفاضات الشعبية التي اجتاحت العالم العربي في عام 2011 وما بعده، والمطلوب هو دراسة "الآثار المحتملة لهذا التضييق في الفضاء السياسي على فكر وسلوك الأحزاب الإسلامية"، بالإضافة إلى تأثيراته المحتملة على السلوكيات والمعتقدات الفردية أيضًا.
  2. التطور السياسي الثاني الذي يعد بتغيير دراسة السياسة والدين في الشرق الأوسط، هو "القابلية الظاهرة للأنظمة السياسية الغربية المتقدمة والصناعية لنوع من الشعبوية المنحرفة دينياً، والتي تعكس في نواح كثيرة السياسة الإسلامية التي استهلكت الاهتمام الأكاديمي من أجل ذلك". ويأمل أصحاب هذا التوجه أن يفتح هذا الإدراك الباب أمام عمل مقارن حقيقي يجمع السياسة الدينية في الديمقراطيات الصناعية المتقدمة، في حوار أوثق مع هذه الظاهرة كما هي موجودة في البلدان الناطقة بالعربية وذات الأغلبية المسلمة.
  3. التوجه الثالث الذي يأمل منه المؤلفون استكشاف النطاق الكامل للتأثيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية للدين والعقيدة الدينية، ويتضح أنه يقصد هنا التأثيرات الإيجابية، لأنه يضرب مثلين لذلك وهما تشجيع انخراط فئات مهمشة في السياسة، والنسوية الإسلامية تلك الحركة الفكرية والعملية التي تعمل على تحرير المرأة من منظور إسلامي. هنا يؤكد المؤلفون على أن منظور الإيمان لم يكن سلبيا دائما، لذا فإنهم يشيرون إلى العلاقة بين الإسلام والتحرر -وهذا المصطلح لي وليس له- فإشارتهم مجرد استدراك وليست من صلب العمل كما سأوضح لاحقا، أما المبرر لذلك فهو أن المسلمين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وخارجها يعملون لتحقيق المساواة والكرامة والعدالة والحق في المشاركة السياسية، فمن المحتم أن ينشروا الخطابات الدينية ويتبنوها لأغراض التحرر.

    الانحدار الاستبدادي ليس توجها تختص به المنطقة، بل هو توجه عالمي أكدت عليه نتائج تقارير الديمقراطية 2022، والتأثير المتصور لهذا الصعود الاستبدادي يجب ألا يقتصر بأي حال في تداعياته على الإسلاميين فقط، بل تمتد تأثيراته بالتأكيد إلى جميع الناشطين السياسيين، خاصة ممن انخرطوا في السياسة قبيل وبعد الانتفاضات العربية

ما الكامن وراء هذه التوجهات الجديدة؟ وهل استطاعت أن تتحرر من الأسس التي استند إليها في الماضي حقل دراسة الدين والسياسة في المنطقة؟ والنقطة الأهم: هل يمكن أن تزيد جودة معرفتنا بالإسلام في الزمن المعاصر أم لا؟ وهل يرتبط بذلك مدى القدرة على إدراك ما يُستجد من ظواهر في مساحات التقاطع بين الديني وبين الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والتنظيمي؟

هذا ما سيناقشه هذا المقال في النقاط التالية:

أولا: استمرارية استثنائية الإسلام كدين والإسلاميين كحركات سياسية

عانى هذا الحقل البحثي منذ نشأته من معضلة الاستثناء الإسلامي في علاقته بالسياسة والمجال العام عموما، ويعود ذلك إلى عاملين متكاملين قد سبق مناقشتهما بالتفصيل في مقال سابق:

  1. الأول هو النظر العلماني للظاهرة الذي رأى أن مزيدا من الانخراط في الحداثة بالمعنى الغربي من شأنه أن يفك الارتباط بين الدين والمجال العام؛ وهو ما ثبت خطؤه واقعيا.
  2. الثاني وهو ما جاء من الخطابات الإسلامية التي تأسست على أطروحة حسن البنا (1906-1949)، وقامت على تقديم الإسلام باعتباره بنية متمايزة عن الحداثة الغربية.

يلاحظ أن التوجهات الثلاثة الجديدة التي طرحت في خاتمة الفصل لم تبرح هذا الاستثناء، كانت هذه التوجهات كالآتي:

  • أولاً: الانحدار الاستبدادي ليس توجها تختص به المنطقة، بل هو توجه عالمي أكدت عليه نتائج تقرير الديمقراطية 2022، والتأثير المتصور لهذا الصعود الاستبدادي يجب ألا يقتصر بأي حال في تداعياته على الإسلاميين فقط، بل تمتد تأثيراته بالتأكيد إلى جميع الناشطين السياسيين خاصة ممن انخرطوا في السياسة قبيل وبعد الانتفاضات العربية.

    عانت الدراسات الغربية للإسلامية والإسلاميين ومن تأثر بهم، من هيمنة السؤال المركزي الذي انطلقت منه، وهو: العلاقة بينهما وبين الحداثة الغربية فقط، ومن ثم فقد بتنا إزاء أنماط مثالية مصمتة على كل جانب ودون فهم وإدراك لوجود تداخل بين الاثنين واستجابات متعددة

    إن دراسة مقارنة بين الإسلاميين وغيرهم من شأنها أن تسمح لنا بإدراك أكثر عمقا لموقف الشباب العربي من السياسة الآن، انسحابا وانخراطا وتحولا فيها، كما يمكن أن تساعد أيضا في إدراك التمايز والتشابه بين الأجيال المتعددة في هذا المجال؛ فبعد انقضاء أكثر من عقد على الموجة الأولى من الانتفاضات العربية (2010-2011)، بتنا إزاء أجيال متعددة من الشباب -الإسلامي وغير الإسلامي- في علاقتهم بالسياسة، وإذا أضيف إلى ذلك التحولات الجارية في السياسة وما طرأ عليها من جديد في الممارسة والخطاب والأشكال والفواعل، نكون بصدد تركيب وتعقيد متعدد المستويات.

  • ثانيا: عندما اقترح الفصل المقارنة في علاقة الإسلام بالسياسة، لم يجد غير ظاهرة صعود اليمين المتطرف في الديمقراطيات الصناعية المتقدمة، وهي ظاهرة وصفها هو نفسه بأنها سلبية. ورغم إمكانية المقارنة بين الإسلامية وبين اليمينية الدينية المسيحية واليهودية والهندوسية -كما ظهرت في الهند مؤخرا- فإن ثراء المقارنة يمكن أن يتحقق إذا جرت بين الأيديولوجيات والحركات الإسلامية في المناطق الإسلامية الأخرى، ولا نكتفي بالمنطقة العربية فقط. سيتعين وفق هذا المنطق على الدارس عدم التركيز فقط على الإسلام في منطقة معينة متجاهلا اهتمامه بدراسة الموضوعات العابرة للمناطق. إن مقارنة من هذا القبيل من شأنها أن تساعدنا على أمرين: الأول إدراك تعددية الخطابات الإسلامية وتنوعها، وثانيا أنها تثري فهمنا للسياقات التي أنتجت هذه التعدديات، وتسمح بتحريرنا من الحتمية الثقافية التي حكمت إنتاجا معتبرا من الأدبيات التي تعاملت مع المنطقة. في الحتمية الثقافية يتم المبالغة في تقدير دور الإسلام كمحرك مركزي لجميع المشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية في العالم، وهو ما يطلق عليه ظاهرة الهوس بالإسلام، وهو ما ناقشته في مقال سابق.
  • بالرغم من أهمية التقاط المؤلفين للعلاقة بين الإسلامية وقيم التحرر عند العرب المعاصرين، فإنهم لم يضعوا هذا في سياقه العالمي الأوسع من مناهضة التمييز والعنصرية وعدم المساواة والحرب، وعنف الشرطة والسوق النيوليبرالي، وتطلع شعوب العالم للعدالة في مناحي الحياة كافة، وهو تطلع لا يقتصر على المسلمين فقط، ولكنه طلب عالمي اتخذ مظاهر عدة انخرط فيها المسلمون مع غيرهم. فحركة حقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين والعدالة البيئية وغيرها، هي جزء من كل يتفاعل فيه المسلمون مع واقعهم المعاصر. ما أطرحه هنا، هو ضرورة إعادة اكتشاف الخطابات الدينية الإسلامية من مستويين للتحليل: في سياقه المحلي، وفي السياق العالمي أيضا.

ثانيا: علاقة الإسلام والإسلامية بالحداثة- نحو سؤال مركزي جديد

عانت الدراسات الغربية للإسلامية والإسلاميين ومن تأثر بهم، من هيمنة السؤال المركزي الذي انطلقت منه وهو: العلاقة بينهما وبين الحداثة الغربية فقط، ومن ثم فقد بتنا إزاء أنماط مثالية مصمتة على كل جانب ودون فهم وإدراك لوجود تداخل بين الاثنين واستجابات متعددة.

وفق هذا الفهم، فإن ثقافة المسلمين في صراع جوهري مع الحداثة الغربية التي تتحول إلى مثال يجب التحقق به، والإسلام السياسي هو الشكل المعياري للإسلام الحديث الذي جرى اختزاله في الشكل السياسي فقط، وجرى وفق هذا المنظور التغطية من خلال الأسئلة التي طرحت من قبيل الإسلام والديمقراطية والمرأة والأحزاب… إلخ، على أسئلة أخرى أصبحت أكثر أهمية بعد الربيع العربي من قبيل الإسلام والعدالة خاصة في شقها الاقتصادي/ الاجتماعي، والإسلام وبناء الدولة ودوره في صياغة تيار وطني ديمقراطي… إلخ.

السؤال المركزي المطروح منذ لحظة الصدام العسكري والحضاري مع الغرب عند غزو نابليون لمصر 1798، هو: كيف يعيش المسلمون -أفرادا وجماعات وبنى وهياكل وأنظمة- زمنهم المعاصر مع احتفاظهم بإسلامهم؟

وهو السؤال المركزي الذي يمكن أن يفتحنا على مساحات التقاطع المتعددة بين الديني والمجالات المختلفة، وهنا لن تقتصر الاستجابة على الإسلاميين فقط، ولن تكون لدى الفرد والمجتمع فحسب، بل تمتد إلى مساحات السوق والدولة والنظام الدولي… إلخ، وعندئذ سنكون بصدد استجابات متعددة متداخلة بين الإسلامية والحداثة، كما يمكن الحديث عن مفاهيم وهياكل وممارسات ما قبل حديثة أيضا، وعن الغرض من استمرارها ووظائفها التي تقوم بها في الزمن المعاصر، وما يمكن أن تمثله أو تقدمه من حلول لمشاكل الحداثة.

كيف يحيا المسلم بإسلامه في الزمن المعاصر.. هذا هو السؤال المركزي الذي حكم علاقة المسلمين بالعالم على مدى القرنين الماضيين، وليس فقط علاقة الإسلام الحديث بالسياسة، كما جرى اختزاله في البحوث والدراسات، وقد أدى هذا الفهم الاختزالي إلى تهميش عدد كبير من الهياكل والمفاهيم التقليدية المهمة، فضلاً عن العديد من الردود الحديثة التي لم يتم تضمينها في خطاب الإسلام السياسي.

هذا السؤال المركزي ليس وحيدا، بل يتفاعل مع تطورات متعددة تلقي بظلالها عليه، أو على أقل تقدير تعيد صياغته وفهمه. ففي الانتفاضات تقدمت المطالب المتعلقة بأوضاع المعاش على خطابات الهوية، والسؤال هو: هل كان لذلك تأثير على طبيعة السياسة، وكيف تعاملت معها الإسلامية؟

ما يجب أن نبحث عنه ونتلمسه في دراساتنا للإسلامية المعاصرة، ليس سؤال الغرب ولا الأنظمة ولا الإسلاميين؛ وإنما الجوهر المشترك الذي تطلعت إليه شعوب المنطقة وعبرت عنه شعارات الانتفاضات من عدالة وعيش كريم وحرية وبحث عن وطن (نريد وطن).

أنا أدرك أن كلمة الشعب لم تعد لها معنى في ظل حالة التعددية والتشظي التي توزعت عليها هذه الشعوب، ولكني أفهم أيضا أن هناك تطلعا مشتركا يجمعها جميعا بما يجعلها تبحث عن التغيير الذي يحقق لها العيش الكريم.

السؤال هنا: ما موقع الإسلاميات المتعددة والإسلاميين من سؤال التغيير الذي طرحته الانتفاضات العربية ولم تستطع القوى الحالمة بالتغيير والمضادة له أن تقدم إجابة عنه حتى الآن؟

وامتدادا لهذا السؤال: ما علاقة الإسلاميات والإسلاميين ببناء الدولة بما يتضمنه من تجديد لأصولها وإصلاح هياكلها بما يضمن قدرتها على تلبية الحاجات العامة لمواطنيها والتعامل مع التحديات المستجدة؟

ألم أقل إننا بصدد أسئلة جديدة وتحديات مختلفة يفرضها المأزق التاريخي الذي كشفت عنه الانتفاضات العربية؟!

ثالثا: غلبة المنطق الكلي الشامل الذي يطالعك من عنوان الفصل "الإسلام والإسلامية"

كان هذا المنطق واضحاً في أجزائه جميعا حيث التساؤل عن الإسلام والديمقراطية والتسلطية، ولماذا يفوز الإسلاميون والإسلام والعنف؛ وكأنهم كتلة واحدة وفوزهم استثناء… إلخ.

في الزمن المعاصر، يغيب المنطق الشامل الكلي الذي يحكم إنتاج الخطابات وممارستها في الدولة والسوق، وفي المجتمع والسياسة، ووسط الإسلاميين وغيرهم.

في الزمن المعاصر، نحن نتحرك بين الوحدة والتجزيء أو التفسيخ. في الوحدة يمكن أن نتحدث عن السيادة المطلقة والسوق الواحد والخطاب الصحيح، أما في التفسيخ فنحن بإزاء سيادة ناعمة لا يمكن منها إدراك حدود الوطني والخارجي، وفواعل سياسية جديدة بجوار القديمة، وتعدد في الأسواق، وننتقل من الخطاب السديد الصحيح إلى الخطابات المناسبة التي تتسم بالتغير والتحول السريع، والأهم أننا بصدد ظواهر متجاورة متداخلة وفي أحيان كثيرة متناقضة رغم صدورها من جهة واحدة؛ فعلاقة الإسلاميين بالسياسة تشهد داخل الكيان والتنظيم الواحد ظواهر متعددة من تراجع عنها -أي عن السياسة- وانخراط وتحول فيها وإعادة تعريف لها، وكل ذلك يجري في وقت واحد، والأهم أن هذه الظواهر جميعا لا يختص بها الإسلاميون وحدهم، بل تمتد إلى مجمل الحركات السياسية ومؤسسات المجتمع المدني وإلى الشباب أيضا.

إن تجاوز المنطق الكلي الشامل يفتحنا على ظواهر عدة تستحق المتابعة في قابل الأيام -وليس الاتجاهات الثلاثة التي أشار إليها الفصل- من قبيل:

  1. بدائل الإسلاميين؛ أي مساحات التقاطع بين الديني وبين المعرفي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي والتنظيمي لدى الشباب العرب بعد الانتفاضات العربية حتى الآن.
  2. سرديات أعضاء وعضوات التنظيمات الإسلامية المتعددة التي تم تجاهلها لسنوات طويلة -خاصة النساء- وهي وإن برزت بشكل مكثف في حقبة الربيع العربي، فإن الدراسات التي اهتمت بها في السنوات الماضية لا تكفي لفهم طبيعتها وتمييز ملامحها.
  3. استجابات المؤسسات الدينية المتعددة للسياق الانتقالي الذي يعيشه العرب الآن، وهي بالمناسبة ليست استجابة واحدة وإنما يحكمها منطق التجزئة والتشظي داخلها، والتمايز بين رأسها والعاملين فيها.
  4. تأثير غياب المجتهدين العظام من أمثال القرضاوي ومن قبله ابن باز وحسين فضل الله ومهدي شمس الدين -رحمهم الله جميعا- عن المشهد الديني، وتأثير ذلك على طبيعة المفاهيم الإسلامية من حيث الصلابة والسيولة.
  5. تصاعد سياسات الهوية والصدام المتوقع بسببها، وتأثير ذلك على الإسلاميين، خاصة أن مناطق الصدام كالهند والكيان الصهيوني توجد بها أعداد كبيرة من المسلمين.
  6. وأخيرا وليس آخرا، الصراع الدائر منذ حقبة الربيع العربي على من يمثل الإسلام، وهو صراع تقاطعت معه وانخرطت فيه دول ومؤسسات دينية وتنظيمات ما دون الدولة وعبر قومية أيضا.

ينبهنا الفصل على غير المتوقع إلى دور مستقبلي للإسلامية واستمرار تأثيرها -خطابات وحركات- على السياسة في المنطقة، وهو تنبيه مهم، لكن أظن أننا نحتاج -كباحثين ودارسين- أن نجدد نظرنا إليهم ونعيد طرح الأسئلة بامتلاك عدة منهاجية ومفاهيمية جديدة.