العجز التجاري المصري وأسباب عودة البنوك للتوقف عن تمويل الواردات

ينظر كثير من الاقتصاديين إلى العجز بالميزان التجاري المصري الناجم عن زيادة قيمة الواردات السلعية عن قيمة الصادرات السلعية كأحد المشاكل الرئيسية المزمنة للاقتصاد المصري، نظرا للعمق التاريخي لهذا العجز الذي يمتد لعقود ماضية واستمراره بلا انقطاع منذ عام 1974 وحتى الآن.

بالإضافة لتزايد قيمته تاريخيا مما يجعله يفوق الفوائض التي تحققها التجارة الخدمية وتحويلات العمالة بالخارج والمعونات الأجنبية وتدنى نسبة تغطية الصادرات السلعية للواردات، والتي ظلت في العقود الثلاثة الأخيرة تتراوح نسبتها ما بين 26% لأدنى نسبة بالعام المالي 1998/1999 وبين 61% لأعلى نسبة بالعام المالي 2005 /2006، إلا أنها غالبا ما تتراوح بين 30% إلى 40%.

يشير التوزيع النسبي للصادرات إلى تصدر الوقود بنسبة 41% من مشتقات ونفط خام وغاز طبيعي والسلع التامة الصنع 37% من أسمدة وأدوية وملابس جاهزة وأقمشة منسوجة وألومنيوم ومنتجات ألبان وسجاد

وكان هذا هو السبب الرئيسي لمشكلة تكرار نقص الدولار خلال العقود الماضية، وها هي البنوك المصرية تعود بعد أسابيع قليلة من خفض قيمة الجنيه أمام الدولار الشهر الماضي للتوقف عن فتح اعتمادات أو مستندات تحصيل للمستوردين خلال الأسبوعين الأخيرين بسبب شح الدولار، مما يعنى استمرار الأزمة وعدم كفاية قرض الصندوق وما يصاحبه من قروض موازية من دول ومؤسسات دولية لسد الفجوة الدولارية التي يزيد حجمها على 40 مليار دولار.

يتطلب التعرف على أسباب ذلك العجز التجاري المزمن استعراض التكوين النسبي لسلع الصادرات والواردات.

وتعبر البيانات التي يعلنها جهاز الإحصاء الحكومي عن تدفق السلع عبر الجمارك دخولا وخروجا، بغض النظر عن وصول قيمة الصادر منها وسداد قيمة الوارد منها كما تفعل بيانات البنك المركزي، والتي أشارت إلى بلوغ العجز التجاري 43 مليار دولار، كفرق بين واردات بقيمة 87 مليار دولار وصادرات بلغت 44 مليار دولار.

ويشير التوزيع النسبي للصادرات لتصدر الوقود بنسبة 41% من مشتقات ونفط خام وغاز طبيعي، والسلع التامة الصنع 37% من أسمدة وأدوية وملابس جاهزة وأقمشة منسوجة وألومنيوم ومنتجات ألبان وسجاد، والسلع النصف مصنعة 13.5% من ذهب ومواد كيماوية وبتروكيماويات وحديد زهر صلب، والمواد الخام 7% من خضر وفواكه وبطاطس وقطن خام.

عجز متعدد بالآلات والسيارات والمعادن

بينما يشير التوزيع النسبي للواردات لتصدر السلع الوسيطة بنسبة 34% من قطع غيار للآلات وقطع غيار للسيارات وزيوت نباتية وورق ومواد كيميائية، والسلع الاستهلاكية 25% من سيارات ركوب وأدوية وأقمشة وملابس وخيوط ولحوم وأسماك، والوقود 16% من مشتقات ونفط خام وغاز طبيعي، والسلع الاستثمارية 11.5% من آلات وروافع وأوناش ومضخات للسوائل والهواء وأجهزة كمبيوتر وأجهزة اتصالات، والمواد الخام 11% من ذرة وقمح وخامات حديد وسكر خام.

ومن خلال الموازين التجارية لعدد من المجموعات السلعية يمكن الوصول لمواطن الخلل طبقاً للميزان السلعي للآلات والأجهزة والمعدات الكهربائية وأجزائها، حيث بلغ العجز 11 مليار دولار كفرق بين صادرات 3 مليارات دولار وواردات 14 مليار دولار، ليشمل العجز أجهزة الهاتف المحمول التي صدرت بقيمة 65 مليون دولار، بينما تم استيراد أجهزة محمول بقيمة 1.5 مليار دولار، وتكرر ذلك العجز مع الأسلاك والكابلات وأجهزة الكمبيوتر وأجهزة تكييف الهواء والمضخات والأجهزة الكهربائية المنزلية وقطع غيارها.

بميزان الحبوب كان العجز 7.5 مليارات دولار كفرق بين 7.9 مليارات دولار واردات مقابل صادرات بقيمة 437 مليون دولار، وشمل العجز الذرة بقيمة 2.7 مليار دولار والقمح 2.4 مليار دولار وفول الصويا 2.3 مليار دولار، وانفرد الأرز بفائض بلغ 13 مليون دولار.

وهو أمر متوقع في ظل تدني نسبة الاكتفاء الذاتي التي بلغت حسب البيانات الرسمية لجهاز الإحصاء عام 2020 نسبة 45% للذرة الشامية و41 % للقمح وأقل من 1% لفول الصويا.

وبلغ العجز بميزان تجارة المركبات والعربات ووسائل النقل الأخرى 5.2 مليارات دولار كفرق بين واردات بلغت 5.4 مليارات دولار وصادرات بقيمة 243 مليون دولار، ففي سيارات الركوب بلغت قيمة الواردات ملياري دولار وقيمة الصادرات 86 مليون دولار، رغم وجود العديد من مصانع السيارات المصرية، وبقطع غيار السيارات والجرارات وأجزائها بلغت الواردات 1.9 مليار دولار والصادرات 107 ملايين دولار.

تجارة القطن التي لحقها العجز

بميزان السلع الغذائية بدون الحبوب بلغ العجز 4.8 مليارات دولار، كفرق بين واردات 9.5 مليارات دولار وصادرات 4.7 مليارات دولار، وتوزع ذلك العجز بواقع 1.6 مليار دولار للزيوت النباتية و1.5 مليار دولار للحوم و630 مليون دولار لمنتجات الألبان في ضوء بلوغ نسبة الاكتفاء الذاتي من زيوت الطعام أقل من 10%.

بلغ العجز بميزان منتجات الصناعات الكيميائية 4.5 مليارات دولار كفرق بين واردات 10.1 مليارات دولار وصادرات 5.6 مليارات دولار، وتركز العجز بالمنتجات الصيدلية بنحو 4 مليارات دولار والمنتجات الكيميائية 932 مليون دولار، بينما حققت الأسمدة فائض 1.7 مليار دولار مع ارتفاع الأسعار العالمية لها قبل وبعد الحرب الروسية الأوكرانية.

بميزان المعادن العادية ومنتجاتها كان العجز 4.4 مليارات دولار كفرق بين واردات 7.5 مليارات دولار وصادرات 3.1 مليارات دولار، وتوزع العجز بين 3 مليارات بالحديد والصلب ومصنوعاته و569 مليون دولار بالنحاس ومصنوعاته و426 مليون دولار بالألومنيوم ومصنوعاته.

بميزان المواد النسيجية ومنتجاتها بلغ العجز مليار دولار كفرق بين واردات بقيمة 4.5 مليارات دولار وصادرات بلغت 3.5 مليارات دولار نتيجة العجز بالألياف الاصطناعية التركيبية بواقع 1.5 مليار دولار، وبالقطن الخام 157 مليون دولار وبخيوط القطن 110 مليارات دولار.

يعود العجز بتجارة القطن الخام بسبب استيراد القطن القصير التيلة للصناعة المحلية، في حين يتم تصدير القطن الطويل التيلة، بينما حققت الملابس فائضا بلغ 627 مليون دولار والمنسوجات القطنية فائض 464 مليون دولار.

فشل القرارات الإدارية لتقليل الواردات

كانت المجموعة السلعية التي حققت فائضا هي الوقود بقيمة 4.4 مليارات دولار كفارق بين الصادرات البالغة حوالي 18 مليار دولار والواردات 13.5 مليار دولار، وجاء الفائض بسبب تحقيق تجارة الغاز الطبيعي فائض 6.7 مليارات دولار، ولتموين السفن والطائرات 675 مليون دولار، بينما حققت تجارة المنتجات النفطية عجزا بـ 2.2 مليار دولار والنفط الخام عجزا قدره 680 مليون دولار.

إذا كان الميزان التجاري للوقود قد حقق فائضا بلغ 4.4 مليارات دولار، فقد أشارت بيانات ميزان المدفوعات العام المالي نفسه إلى قيام شركات النفط والغاز الأجنبية العاملة بمصر بتحويل 7.3 مليارات دولار للخارج خلال العام المالي تمثل حصتها بالإنتاج المحددة بعقود الإنتاج، مما يعنى أنه حتى ميزان تجارة الوقود قد حقق عجزا حقيقيا بلغ 2.9 مليار دولار.

وحاولت الحكومات المتعاقبة علاج العجز التجاري المزمن من خلال تقليل الواردات، ومن ذلك ما حدث أواخر عام 2015 من اشتراط الموافقة من قبل وزارة التجارة الخارجية على المصانع الأجنبية التي تصدر منتجاتها لمصر، رغم اعتراض الاتحاد الأوروبي وتعارض ذلك مع العديد من اتفاقيات التجارة الحرة التي ترتبط بها مصر مع دول وتجمعات إقليمية متعددة، وتكرر ذلك الترشيد أواخر العام الماضي باشتراط موافقة وزارة المالية على الواردات قبل شحنها.

وأضاف البنك المركزي إلى ذلك إلغاء طريقة تمويل الواردات عبر مستندات التحصيل الأكثر شيوعا واستبدالها بطريقة الاعتمادات المستندية بفبراير/شباط الماضي، التي واجهت اعتراضا من منظمات الأعمال، لتسببها بتعطل وصول المواد الخام ومستلزمات الإنتاج للمصانع، مما قلل الإنتاج والتصدير كذلك، نظرا لاحتواء المنتجات الصناعية على نسبة 60% كمكونات مستوردة بخلاف الوقود.

الأمر الذي دفع محافظ البنك المركزي الجديد للوعد بإلغاء طريقة تمويل الواردات عبر الاعتمادات المستندية قبل نهاية العام الحالي، استجابة لمجتمع الأعمال ولصندوق النقد الدولي كأحد مطالب القرض الجديد الذي طلبته مصر منه، وهو ما نشك في إمكانية تحققه لعدة شهور أخرى حتى النصف الثانى من العام القادم.

يُساق كدليل على ذلك نكوص إدارة المركزي عن قرارها بتحرير سعر الصرف مؤخرا، وتحويله إلى سعر صرف مُدار كما كان الحال منذ مارس/آذار الماضي وحتى الخفض بالشهر الماضي، ويعزز ذلك استمرار الفارق الكبير بين سعر الصرف بالبنوك وسعره بالسوق السوداء، ولولا وجود طلب عليها ما زادت أسعارها، في ضوء استمرار امتناع البنوك عن بيع الدولار للعملاء بالأسعار المعلنة.

العجز الحقيقي أكبر من البيانات الرسمية

الأكثر أهمية فيما يخص العجز التجاري الذي بلغ 43 مليار دولار بالعام المالي الأخير، كرقم غير مسبوق تاريخيا، وجاء رغم تحسن الصادرات التي زادت بنسبة 53% لتحقق رقما قياسيا، مستفيدة من التضخم العالمي وزيادة أسعار كثير من سلع الصادرات كالنفط والغاز والأسمدة والمعادن.

غير أن الواردات قد تأثرت بالزيادة هي الأخرى بسبب ارتفاع الأسعار العالمية، حتى أن قيمة زيادتها البالغة 16.6 مليار دولار كانت أعلى من قيمة زيادة الصادرات البالغة 15.2 مليار دولار مما أدى إلى زيادة العجز التجاري.

رقم العجز التجاري المذكور يمثل المعاملات الرسمية بين الصادرات والواردات بينما توجد معاملات أخرى عديدة تتم خارج الإطار الرسمي تزيد بها قيمة الواردات عن الواردات الرسمية، منها التهريب، كتهريب الأقمشة التي تعد الرافد الأكبر لصناعة الملابس الجاهزة، وتهريب الأجهزة الكهربية والهواتف المحمولة والسلاح والمخدرات وغيرها ويقابلها على الجانب الآخر تهريب الآثار المصرية للخارج.

يضاف لذلك لجوء كثير من المستوردين للتلاعب بفواتير الشراء، وإنقاص قيمة البضائع المستوردة لدفع جمارك أقل، مما يعنى بالنهاية أن قيمة العجز التجاري الحقيقية أعلى بكثير من الأرقام الرسمية، ويقر بذلك كبار المسؤولين ورجال الأعمال بأن المشكلة أكبر من حجمها المذكور بالبيانات الرسمية، وهو ما يتطلب حزمة من الإجراءات على المدى القصير والمتوسط والطويل.

هذه الإجراءات لابد وأن تركز على القطاع الإنتاجي وتحسين مناخ الاستثمار وزيادة المكون الصناعي والتكنولوجي بالصادرات وليس مجرد إجراءات إدارية أو بوليسية لتقليل الواردات ثبت إخفاقها في ظل استمرار زيادة قيمة الواردات بالسنوات الماضية، رغم تنفيذها، نظرا لارتباط تلك الواردات باحتياج حقيقي صناعي وزراعي وخدمي واستهلاكي، ووجود لوبي للمستوردين يستفيد من الضغوط الدولية لزيادة تلك الواردات وتأخر قضية الإنتاج بين أولويات النظام الحاكم.