الشعب الأميركي الفائز الحقيقي في الانتخابات النصفية

جدل كبير عرفه النقاش السياسي في العاصمة الأميركية، وخارجها، حول أهم نتائج الانتخابات النصفية التي نتج عنها فوز الديمقراطيين بأغلبية ضئيلة بمجلس الشيوخ، والجمهوريين بأغلبية بسيطة في مجلس النواب. البعض اعتبر نتائج الانتخابات مخيبة لآمال الجمهوريين، ولهيمنة الرئيس السابق دونالد ترامب عليهم، وآخرون أبرزوا نجاح الديمقراطيين في تجنب هزيمة انتخابية كبيرة.

إلا أن أهم النتائج على الإطلاق -في نظري- هي عودة ثقة الشعب الأميركي في العملية الانتخابية ذاتها، وإدراك ملايين الأميركيين أن مؤسسات نظامهم السياسية راسخة وتحظى باحترامهم.

وخلال الأسابيع الماضية وصولا ليوم 8 نوفمبر/تشرين الثاني، أجرت 50 ولاية انتخابات لآلاف المناصب المحلية، ولممثليها في مجلسي الكونغرس، وأدلى ما يقرب من 150 مليون ناخب بأصواتهم، وانتظروا ظهور النتائج بصورة متحضرة.

أكدت خبرة ما بعد الانتخابات -خاصة اقتحام أنصار ترامب مبنى الكابيتول، واستمرار رفض ترامب الاعتراف بهزيمته- أن منصب الرئيس منصبٌ مؤقت ينتهي في موعد محدد، في تمام الساعة 12:01 من ظهر يوم 20 يناير/كانون الثاني 2021، ولم يكن من الممكن دستوريا أن يبقى ترامب أي دقيقة رئيسا بعد ذلك الوقت

أميركا مكان كبير ومتناقض، وينظر الكثير من الأميركيين إلى نظامهم السياسي على أنه هش ومهدد بالفناء والانقراض. في الوقت ذاته، يجهل الكثير حول العالم طبيعة الرابطة التي تجمع الأميركيين بعضهم ببعض. من هنا لم يكن من الغريب أن يتوقع الكثير من الخبراء حول العالم انهيار النظام السياسي الأميركي منذ تأسيس الجمهورية في نهاية القرن الثامن عشر، واستمرار خروج هذه التوقعات حتى الآن.

إلا أنّ الواقع يثبت قوة النظام السياسي الأميركي، في الوقت الذي يُقدس فيه الأميركيون دستورهم على الرغم مما يتضمنه من سلبيات. وعلى مدى تاريخها القصير الممتد 250 عاما، لم تعرف التجربة الأميركية أي انقطاع في عملها الدستوري. عرفت أميركا دستورا واحدا طورته على مدى تاريخها، وعلى الرغم مما شهدته الولايات المتحدة من اضطرابات وحرب أهلية ضروس وتحديات عالمية وحرب لا تتوقف، لم يعرف النظام السياسي الأميركي أي رغبة في الانقلاب على قواعد الدستور الحاكمة، بل عرف مرونة لا تعرفها الكثير من النظم السياسية المعاصرة.

وبالطبع، تعرف العملية السياسية الأميركية قضايا خلافية ضخمة حول العديد من القضايا المهمة اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا وثقافيا، وسط استقطاب غير مسبوق ساهمت فيه ثورة التكنولوجيا التي لم تستعد لها جيدا المجتمعات البشرية.

قبل عامين، مثلت انتخابات 2020 ضربة قوية لمصداقية الانتخابات في الولايات المتحدة، وأصابتها بكثير من الضرر على المستوى الداخلي وعلى صورة ومكانة الولايات المتحدة حول العالم.

عرفت تلك الانتخابات أكثر السيناريوهات قتامة وتطرفا، برفض الرئيس دونالد ترامب نتائج الانتخابات التي تجعل منه رئيسا سابقا، إلا أن المحاكم المحلية الفدرالية والعليا والمجالس التشريعية بالولايات المختلفة، رفضت الخضوع لضغوط ترامب وأنصاره الذين اعتبروا أن الانتخابات مزورة وأن ترامب فاز بالانتخابات.

وأكدت خبرة ما بعد الانتخابات -خاصة اقتحام أنصار ترامب مبنى الكابيتول في السادس من يناير/كانون الثاني 2021، واستمرار رفض ترامب الاعتراف بهزيمته- أن منصب الرئيس منصب مؤقت ينتهي في موعد محدد، في تمام الساعة 12:01 من ظهر يوم 20 يناير/كانون الثاني 2021، ولم يكن من الممكن دستوريا أن يبقى ترامب أي دقيقة رئيسا بعد ذلك الوقت.

وعلى الرغم من أن الكثير من قضاة المحاكم الفدرالية يتم تعيينهم واختيارهم من قبل الرئيس، فإن محاولات تسيس القضاء لترجيح كفة مرشح على آخر، قد فشلت فشلا ذريعا، بما يجعل من يرغب في اللجوء للقضاء يفكّر كثير قبل الإقدام على هذه الخطوة.

وتحاول المحاكم -خاصة المحكمة العليا- النأي بنفسها عن قضايا الانتخابات التي تراها شأنا سياسيا بحتا يخضع لرغبات الناخبين. وعيّن ترامب أكبر عدد من القضاة الفدراليين في التاريخ الحديث، وعين كذلك 3 قضاة بالمحكمة العليا، لكن مع ذلك وقف القضاء رافضا لكل ضغوطه وجهوده لتغيير نتائج الانتخابات عن طريق المحاكم.

تبارى المعلقون للتأكيد على أن صورة أميركا اهتزت حول العالم بسبب انتخابات 2020، لكنني أرى -وعلى النقيض- أن ما شهدته وتشهده أميركا ومعها العالم، يمثل درسا ديمقراطيا فريدا ومستمرا. فمع أسوأ سيناريوهات يمكن تخيلها في رفض رئيس نتائج الانتخابات، نرى أنه لا يملك من أمره شيئا أمام سيادة القانون وقدسية الدستور واحترام رغبات الناخبين.

وسريعا، عادت الثقة في العملية الانتخابية، ولم تشهد انتخابات 2022 تحديات كبيرة من المرشحين الخاسرين، على الرغم من تنوعهم الأيديولوجي والحزبي. وعادت الثقة بين الأميركيين في العملية الانتخابية كوسيلة مفضلة لاختيار ممثليهم، وحكامهم، خاصة مع إدراك واسع أنه لا توجد بعد معادلة أفضل من انتخابات حرة ونزيهة متكررة كعماد للنظام السياسي الأقوى في عالم اليوم.