رجال ليسوا حول البشير

رجال ليسوا حول البشير . الكاتب : عبدالله علي إبراهيم

undefined 

القوات المسلحة هي الفيل في غرفة السياسة السودانية. وهذه العبارة من مجاز إنجليزي عن المسألة أو الحقيقة العظيمة التي يجري تجاهلها أو يقل النظر فيها، إذ ما زلنا بعد 46 عاماً من حكم الجيش منذ استقلالنا قبل 57 عاماً نسمي الفترات الثلاث التي استولى فيها على زمام الأمور بألوانها السياسية، بل الحزبية.

فحزب الأمة وراء انقلاب 1958، والشيوعيون رتبوا انقلاب 1969، والإسلاميون قاموا بانقلاب 1989. ومرت يوم 30 يونيو/حزيران المنصرم الذكرى الرابعة والعشرون للانقلاب الأخير وقد غلبت هويته المدنية الأيديولوجية على هويته العسكرية المهنية. ونريد في هذه الكلمة رده إلى أصله النظامي طلباً لفهم أفضل للمؤسسة العسكرية التي خرج منها.

ولعل أكثر ما حجب السياسة عندنا من فهم المؤسسة العسكرية اعتقاد شائع بأنها خلو من السياسة، فمتى استولت على الحكم كان ذلك وحياً من السياسيين. ولا أدري كيف ساغ تجريد هذه المؤسسة من السياسة وهي التي ظلت تحت أمر أزلي لضبط رقاع "متمردة" مختلفة من البلاد في إطار الوطن منذ عصيان الفرقة الجنوبية عام 1955. فالحرب -السياسة بطريق آخر كما يقولون- كانت وما زالت استثمارنا الوطني الأعظم، وتخرَّج قادة السودان المستقل الأطول مكثا في الحكم من هذه الحرب.

لعل أكثر ما حجب السياسة عندنا عن فهم المؤسسة العسكرية اعتقاد شائع بأنها خلو من السياسة

فانقلاب 1958 كان من كبار الضباط الذين أخمدوا لتوهم "تمرداً" في الجنوب ورأوا التفرق الحزبي وخشوا أن يسبقهم صغار الضباط إلى استثماره متأسين بجمال عبد الناصر.

وكانت بعض الرتب الصغرى قد بدأت بالفعل بانقلاب عام 1957 لم ينجح. كما التمع نجم روّاد انقلاب 1969 قبل قيامهم به لاحتجاجهم على بؤس إعداد القوات المسلحة للحرب فاعتقلوا القائد العام في الجنوب. كما صعد نجم العميد الرئيس البشير وجيله محتجين على نقص رباط الخيل في شعاب الغاب الجنوبي.

سبق انقلاب 1989 إلى الحكم وأبطل سيناريوهات انقلابية لقوى مختلفة. ووجدت "حمى" الانقلابات تلك شرعيتها -لو صح التعبير- في مذكرة هيئة القيادة العامة للقوات المسلحة لرئيس الوزراء الصادق المهدي في فبراير/شباط 1989، وهي عريضة "نقابية" بالمعنى الدقيق للفظة كشفت بؤس إعداد الجيش لحرب الجنوب وما يستوجب عمله لتلافي النقص.

فقد قال عضو مجلس انقلاب 1989 العقيد محمد الأمين خليفة إن المذكرة كشفت كم هي ضعيفة السلطة المدنية، بينما يخوضون هم حرباً مخجلة في وجه تساقط المدن بيد حركة قرنق، وأضاف "كنا نقف خجلين أمام جنود عرايا أو شبه عرايا وليس لهم زي وليست لديهم مواد تموين القتال وليست لديهم أحذية".

ومذكرة القيادة العامة للقوات المسلحة للحكومة قبل أربعة أشهر من انقلاب البشير، شاهد على عارضة تلك القوات السياسة. واتسمت المذكرة بتحليل دقيق للوضع العالمي في نهايات الحرب الباردة لا أحسب أياً من قاداتنا المدنيين شرع فيه حتى يومنا هذا. فقد قالت القيادة ومن واقع اهتمامها بسلعة السلاح العالمية، إن حكومة السودان لم تعد ذات شأن في معيار العالم الذي تصالحت أقطابه الأيديولوجية.

وقالت إنه بينما جفت موارد الدولة من السلاح، نجد انتعاشا لتلك الموارد في الحركة الشعبية للعقيد قرنق في ظل ملابسات إقليمية وأفريقية.

ونبهت المذكرة بقوة وأدب إلى أن القوات المسلحة تخوض حرب الجنوب بلا رباط خيل أو سند معنوي من جبهة داخلية محتربة.

ومن أكبر أسباب قصور المعارضين دون فهم سياسي ومؤسسي أميز للقوات المسلحة في أيامنا هذه، هو تسليمهم بأن انقلاب 1989 عمل خالص للإسلاميين. لا غلاط كبير في ذلك، ولكن هذا غير أن نؤمن أن الانقلاب كان حكراً لهم على طول الخط أو في وعي من قاموا به. وغَلَب علينا رأي الإسلاميين في نسبة الانقلاب إليهم حتى فاتتنا إشارات خافتة بأن الانقلاب ربما كان حلفاً واسعاً لعسكريين بدأ التخلص من أطراف منه في أيامه الأولى.

من أكبر أسباب قصور المعارضين دون فهم سياسي ومؤسسي أميز للقوات المسلحة في أيامنا هذه، هو تسليمهم بأن انقلاب 1989 عمل خالص للإسلاميين

حدثني بهذا الحلف ضابط منه أحيل إلى المعاش، أو فُصل، مع جماعة من زملائه "لتمردهم" في معسكرهم ببورتسودان على الانقلاب بعد سنة من قيامه لانحرافه عن جادتهم. وتلقى بكري الصايغ الذي يكتب عن الانقلاب في الأسافير، رسالة من ضابط معاشي بالخليج اتفق مع محدّثي. ونشر ضابط في المعاش مجهول كلمة يستنكر غمطه دوره في تأمين موضع ما ليلة الانقلاب في رواية لعضو بمجلس انقلاب الإنقاذ.

ووجدت في روايات هؤلاء الضباط المقتضبة بينة قوية بأننا لا نعرف بعض حقائق ذلك الانقلاب. ولم يتوسع أحد منهم بعد في الحديث عنه حتى اعتقد المهتمون بالانقلاب أنهم ربما تواثقوا على الصمت عن حقائقه . بل لمّح ضابط إلى أن أكثر الضباط ممن نسميهم إسلاميين في الحكم لم يكونوا كذلك قبل الانقلاب، بمن فيهم المقدم عمر البشير الذي قال حسن الترابي نفسه إنه كان بعثياً.

وأحصى فيصل أبو صالح عضو مجلس الإنقاذ ووزير الداخلية الأعضاء الملتزمين بخلية الإسلاميين في الجيش فإذا هم أربعة: هو وعبد القيوم محمد وكمال علي مختار والحاج يونس. ولم يدخل الأخيران مجلس الانقلاب ولكن لعبا أدواراً مركزية في الأمن والإعلام، على التوالي. ولكن محمد الأمين خليفة ذكر عدداً أكبر من أعضاء الخلية فيهم هو والبشير، والزبير محمد صالح، وشمس الدين، وصلاح كرار، وفيصل مدني.

ولم يذكر فيصل أبو صالح مع ذلك. أما فيصل مدني فقد عده أبو صالح "من المؤلفة قلوبهم". وهذا الخلط أدعى لمراجعة تراجم هؤلاء الانقلابيين بأفضل مما توافر لنا.

كانت بيدنا منذ 25 يوليو/تموز 1992 مذكرة وافية عن الخلافات الباكرة في مجلس الانقلاب نشرها أبو صالح في مجلة "العالم اليوم" بعنوان "هذه هي القصة الحقيقية لانقلاب البشير".

ووضح فيها تذمر العسكريين من تغول الإسلاميين على القرار الحكومي في النظام الجديد ومقاومتهم له، والاستقالة احتجاجا حين أعيتهم الحيلة. فضاق الضباط بذكر الترابي في الإعلام كصانع لانقلابهم مما جعلهم رجالاً تحته. وكان البشير أكثرهم حرجاً وصمتاً حتى استنكرهما عليه نائبه الزبير محمد صالح الذي عدّ الأمر إهانة متعمدة لهم. وقال أبو صالح إن نقاط الخلاف مع الإسلاميين كانت كما يلي:

ضاق الضباط بذكر الترابي في الإعلام كصانع لانقلابهم مما جعلهم رجالاً تحته. وكان البشير أكثرهم حرجاً وصمتاً حتى استنكرهما عليه نائبه الزبير محمد صالح الذي عدّ الأمر إهانة متعمدة لهم

1- تهميش المجلس الذي ظل يجتمع ليلوك قرارات سبق تداولها واتخاذ قرارات فيها. بل بلغ تحقير المجلس لأعضائه أن بعض قراراته كانت تذاع قبل انعقاده. فوجد البشير نفسه أمام الأمر الواقع حين جرى إعدام 28 ضابطاً في انقلاب محسوب على البعثيين في رمضان 90 بغير علمه، فاكتفى وزير الدفاع الرائد إبراهيم شمس الدين بتبليغه أنه قضى عليهم.

وروى عميد (م) سجون موسى عيسى أن العميد التجاني آدم الطاهر لم يكن يعرف عن تطهير 17 ضابطاً في السجون والشرطة حين التقى به. وفصل شمس الدين عدداً من الضباط ينتمون إلى قبيلة عضو المجلس بيو كوان دون إخطار المجلس، فقاطع بيو جلسات المجلس.

2- لم يوافق هؤلاء الضباط على خطة بناء الدفاع الشعبي لضعضعة منزلة الجيش التي احتذى الإسلاميون فيها التجربة الإيرانية في تهميش الجيش لصالح حرس ثوري عقائدي. وكان من رأيهم أن استدبار القوات المسلحة لا يناسب وضع السودان ولا تقاليد العسكرية فيه.

3- ارتباك الضبط والربط وصعود رتب صغرى مثل الرائد شمس الدين وزيراً للدفاع يؤدي له رؤساؤه بالتحية.

4- إجراءات تطهير الخدمة المدنية التي قام بها المقدم (طبيب) الطيب سيخة من موقعه كوزير لشؤون الرئاسة على أسس سياسية حزبية بحتة. وكان ذلك جزءاً من صراع عريض حول نهج الحكم: هل نقضي على الخصم -مثل قولهم لنقتل نصف الشعب فيخلص لنا النصف الآخر- أم نستألفه؟ واختلفوا حول مغبة إخفاقهم هنا أو هناك في الحكم: هل هو ما يصحح بالنقد والعزيمة أم أنه "اختبار رباني" يتجاوزونه بالصبر والعقيدة إلى غيره؟

5- أزعج أولئك الضباط تفاقم الأجهزة الأمنية التي داخلها الأمن الشعبي الحزبي. وسنرى كيف تعبأ هؤلاء الضباط حين بلغتهم أنباء مؤكدة بوقوع تعذيب على المعتقلين بواسطة الأمن القومي الذي كان يشرف عليه نافع علي نافع من الإسلاميين صاحب السمعة في أنه تدرب على السافاك.

6- واختلفوا حول نطاق ثورتهم: هل هي سودانية كما يرى أولئك الضباط أم للتصدير؟ فمثلاً أنشأ الإسلاميون ما عرف باسم "الدولية"، المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي الذي جمع القوميين والإسلاميين عام 1990 على محجة الثورة.

وسيذكر التاريخ لهؤلاء الضباط تصديهم لدولة الإنقاذ وبعضهم إسلامي أحق من سائرهم بها. فاستقال رئيس الدائرة السياسية بمجلس الانقلاب العميد عثمان أحمد حسن عام 1992، وقيل وقتها إن من أكبر أسباب خلافه هو وقوف السودان مع العراق ضد سائر العرب الآخرين. واستقال أبو صالح من المجلس عام 1992 في خاتمة احتجاجاته على التدخلات السافرة في شغل وزارته الداخلية من الرائد وزير الدفاع الذي أخذ تأمين الانقلاب خلال فترة الطوارئ الطويلة على عاتقه واستخدم قوات الجيش لبسطه بما شمل ضباط الشرطة بحظر التجول. وفي الحالين لم يأخذ البشير بالاستقالة كحق -بل وواجب أحياناَ- وصدر الأمر بإعفائهم كسراً لعينهم.

حالت الغيرة السياسية على الإسلاميين في الحكم من خصومهم المدنيين دون أن ننمي معرفة مستقلة لمواقف أولئك الضباط الذين التزموا بعسكرية انقلابهم للإنقاذ الوطني وحياده. فأدب المعارضين للإسلاميين لا يذكرهم إلا كضحايا أو مُستَغفَلين باكرين.

أما أمثالي من عملوا عن كثب معهم في مؤتمر الحوار الوطني (1989) فقد رأينا منهم مروءة مشرفة للعسكرية السودانية. فكنا نطلعهم أولا بأول بما يبلغنا من خروق لحقوق الإنسان للنظام الجديد من تعذيب وبيوت أشباح. وأشهد أنهم استمعوا بنبل وأماطوا الأذى ما وسعهم.

صدق ضابط ممن احتج على التاريخ الرديء لانقلاب 1989 قائلاً إن المدنيين أسوأ المؤرخين للعسكرية

ولن يتسع المقال لعرض كل جوانب هذه المروءة، ولكن نأتي بوقائع لقاء تم بين وزير الداخلية أبو صالح ونقيب الأطباء الدكتور مأمون أحمد حسين الذي حكمت الإنقاذ عليه بالإعدام لقيادته إضراباً لنقابته، وذاع أمر تعذيبه في سجن كوبر. والرواية عن مأمون:

سأل الوزير النقيب:
– عذبوك؟ أريد أن أرى آثار التعذيب.
– لم أعذب. ضربوني فقط. من يقول بأن الضرب تعذيب جبان. ثم لماذا تريد أن ترى آثار التعذيب؟
– اعفُ عنا.
– أنا زول موت. عفوت عنكم.

ثم أصر الوزير على رؤية آثار التعذيب فرآها على قدم مأمون وظهره، فقال بتأثر شديد:
– اعف عنا.
– أريد أن أقول لك شيئاً لا أريد من ورائه تبرئتي: أنا كنت ضد الإضراب. وأنا من غزية.. ولم يكن من الرجولة أو الشهامة أن أخذل رفاقي حتى لو دفعت حياتي ثمناً.
– أبشر.

و"أبشر" معناها عندنا سلمت إن شاء الله، وسلم الرجل. ولكن تأمل أيضاً عزة النقابي. ودراما الوزير والنقابي مما نطلق عليه "سينما" في السودان. ولم يخالطني شك في أن أولئك الضباط كانوا يرغبون في حلف مدني ليعززوا عسكرية الانقلاب.

وقد نبهنا وقتها بعض المعارضين إلى هذه الإمكانية ولكنهم كانوا قد فرغوا من "تمدين" (أي جعله مدنياً) الانقلاب وهو واقعة عسكرية.

وهنا صدق ضابط ممن احتج على التاريخ الرديء لانقلاب 1989 قائلاً إن المدنيين أسوأ المؤرخين للعسكرية. وسبق للروائي الأميركي الشهير سكوت فيتزجيرالد أن نصح الكتاب الفقراء بالامتناع عن كتابة قصص عن حياة الأغنياء.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.