154 ألفا منذ 2011.. آلية دولية لملف المفقودين في سوريا وخبراء: ليست عصا سحرية

شمال سوريا- بعد 12 عاما على اعتقالهما، تكافح الناشطة السياسية السورية والمعتقلة السابقة فدوى محمود، للكشف عن مصير زوجها السياسي المعارض عبد العزيز الخير وابنها ماهر، المعتقلَين لدى النظام السوري في ظروف غامضة.

ومن مكان اغترابها القسري في العاصمة الألمانية، برلين، تنشط فدوى للكشف عن مصير المعتقلين في سجون النظام السوري ومن بينهم زوجها وابنها، متخذة من حملة "عائلات من أجل الحرية" وسيلة وجهدا جماعيا يجمع ذوي المعتقلين والمفقودين -الذين اختفوا منذ بداية الحراك الشعبي عام 2011، ويُرجَّح توقيفهم من قبل النظام- ويوحّد جهودهم للمطالبة بحريتهم والكشف عن مصيرهم.

تقول فدوى محمود إن تأسيس الحملة جاء في ظل الخذلان الذي تعرض له ملف المعتقلين، وضمّت مجموعة من أهالي المعتقلين من الدرجة الأولى (زوجات، وأمهات، وأخوات) "من أصحاب الوجع".

وتشير محمود، في حديث للجزيرة نت، إلى أن جهود أهالي المعتقلين والمنظمات الحقوقية تكللت بالنجاح بعد عامين من المطالبة بإحداث آلية أممية تُشرف على ملف المعتقلين والمفقودين السوريين خلال الحرب وتكون تحت وصاية الأمم المتحدة.

وعن الآمال المعقودة على هذه الآلية، أكدت الناشطة السورية أنها منذ سنوات تقوم بضبط سقف توقعاتها من التجاوب مع ملف المعتقلين السوريين، لذا تعتقد أن النتائج منها لن تظهر على المدى القريب.

تأمل عشرات آلاف العائلات السورية في أن تتمكن الآلية الأممية من تزويدها بمعلومات عن أبنائها المفقودين (رويترز)

أكثر من 150 ألفا في عداد المفقودين

وأخيرا، صوّتت الجمعية العامة للأمم المتحدة عبر اللجنة الثالثة (الاجتماعية والإنسانية والثقافية)، لمصلحة مشروع قرار حمل عنوان "حالة حقوق الإنسان في سوريا"، والذي رحب بدعوة الأمين العام للأمم المتحدة لإنشاء آلية دولية مختصة بمعالجة مصير المفقودين في سوريا.

وأيّد مشروع القرار الأممي 90 دولة، بينما عارضته 14 دولة من بينها النظام السوري والدول الحليفة له روسيا وإيران والصين، في وقت امتنعت فيه 68 دولة عن التصويت.

ومن المفترض أن تضطلع الآلية -التي حملت اسم "الآلية الإنسانية الدولية للكشف عن مصير المفقودين"- والمنظمة التي ستنبثق عنها بمهمة المساعدة في الكشف عن مصير أكثر من 150 ألف سوري ما يزالون في عداد المفقودين منذ عام 2011.

ليست عصا سحرية

ويرى مؤسس رابطة معتقلي ومفقودي سجن "صيدنايا" دياب سرية، أن الآلية جيدة ومن الضروري أن يكون هناك عمل بشأن ملف الإخفاء القسري في سوريا، لافتا في الوقت ذاته إلى تخوفات وتحفظات من الظروف الحالية وسط غياب دعم دولي حقيقي لملف المعتقلين.

وأعرب سرية عن اعتقاده بأن عمل الآلية لن يكون ميسّرا ولن تنجز مهمتها بسهولة، لغياب إمكانية دخول القائمين عليها إلى سوريا، وإن دخلت فإن النظام سيُفشل عملها كما فعل مع جميع اللجان والمبعوثين الذين زاروا سوريا خلال الثورة.

ودعا سرية، في حديث للجزيرة نت، إلى ضرورة ضبط سقف التوقعات لدى عائلات المفقودين والمعتقلين في السجون السورية، مشددا على أن الآلية الأممية ليست عصا سحرية، بل مسيرة طويلة من العمل الشاق لحل هذه المعضلة، وأكد على أهمية عدم زرع الأمل الكاذب لديهم.

ووفق سرية، فإن سوريا باتت في آخر سلم أولويات الدول العظمى، وزاد من ذلك الحرب الروسية في أوكرانيا، وعدم الاهتمام بالضغط على موسكو كي تجبر النظام على الكشف عن مصير المعتقلين.

نساء عربيات وأجنبيات في لندن يحملن صور سوريين معتقلين ومصيرهم مفقود بسوريا (الأوروبية)

كيف نشأت فكرة الآلية؟

في عام 2021 دعت منظمات حقوقية سورية معنية بشؤون المعتقلين السوريين وذوي مفقودين بإنشاء آلية تحمل على عاتقها موضوع الكشف عن مصير عشرات آلاف المختفين والمفقودين في سوريا، على أن تكون هذه الآلية تحت مظلة أممية تكسبها شرعية دولية.

ونتيجة للجهود والضغوط المستمرة من المنظمات والروابط التي أسستها أُسر المعتقلين، أضافت "اللجنة الثالثة" في الجمعية العامة للأمم المتحدة فقرة في نص قرارها الدوري، طالبت فيها الأمين العام للأمم المتحدة بإجراء دراسة جدوى حول "كيفية تكثيف الجهود للكشف عن مصير المفقودين في سوريا، ومن ضمنها الآليات المتوفرة والبحث عن حلول جديدة".

ولاحقا، أوصت دراسة الأمم المتحدة بإنشاء آلية موحّدة لم تتشكل ملامحها الرئيسية بعد، في وقت رحبت فيه المنظمات الحقوقية وذوي المعتقلين والمفقودين بالدعوة الأممية لإنشائها.

وسبق أن طالبت لجنة التحقيق الدولية بشأن سوريا في يونيو/حزيران الماضي، بإنشاء آلية ذات ولاية دولية لتوضيح مصير الأشخاص المفقودين والمختفين في سوريا، داعية إلى أن تشتمل الآلية على مبادئ أساسية؛ هي الاستقلالية، وعدم التحيز، والحياد، والإنسانية، والكرامة.

 

 

بيروقراطية شديدة

وفي حين أكد مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، على دعم الآلية الأممية ومساندة تشكيلها لكونها تمثل توجّها إيجابيا في هذا الملف، إلا أنه حذّر من رفع سقف التوقعات لعملها.

وقال عبد الغني في حديث للجزيرة نت، إن الآلية تحتاج إلى قرار أممي خاص للتصويت عليه دوليا حتى تبدأ العمل، مشيرا إلى وجود بيروقراطية شديدة في مسارات عمل الأمم المتحدة.

ورأى عبد الغني أن الآلية لن توقف التعذيب ولن تستطيع إطلاق سراح المعتقلين، لكن المطلوب منها أن تناصر ملف المعتقلين وتذكّر به في المحافل الدولية، وتتواصل مع أهالي وذوي المعتقلين لتبلغهم بأية معلومات قد تحصل عليها عنهم.

وتُقدّر الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن أعداد المعتقلين السوريين تجاوزت 154 ألف شخص ما يزالون معتقلين منذ عام 2011، بينهم نحو 112 ألف حالة اختفاء قسري، وذلك حتى أغسطس/آب 2022.

وأضافت الشبكة في أحدث تقاريرها عن هذا الملف، أن النظام السوري مسؤول عن أكثر من 135 ألف حالة اعتقال، منهم نحو 96 ألف حالة اختفاء قسري، وبين هؤلاء 2316 طفلا و5734 امرأة.

المصدر : الجزيرة