استقبال شكاوى المعذبين بسجون العراق.. هل تنصف مبادرة السوداني المظلومين؟

بغداد – لا يتمكن الشاب العراقي حسن محمد (29 عاما) من رفع لقمة طعام إلى فمه، فهو الآن بلا أصابع بعد أن قُطعت تحت التعذيب في أحد سجون كركوك (شمال) العام الماضي، في حادثة هزت المجتمع العراقي.

كان حسن محمد يعمل حارسا في شركة أهلية عندما اعتقلته قوة من الشرطة الاتحادية وعذّبته، حسبما أفاد، ثم نُقل إلى المستشفى لتلقي العلاج، لكن تم إطلاق سراحه لاحقا باعتباره بريئا، وأن ما حصل هو خطأ جراء "تشابه أسماء".

بنبرة حزينة، تحدث والد محمد للجزيرة نت عن "خروج المتهمين من الضباط والمنتسبين بتلك الواقعة بعد 20 يوما فقط بكفالة مالية، وتحت التهديد والتخويف اضطررنا إلى قبول تسوية معهم".

وأعرب والد محمد عن تفاؤله بعد إطلاق رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني مبادرة جديدة لتلقي الشكاوى في حالات التعذيب، معربا عن أمله في أن ينال المتهمون بتعذيب ابنه جزاءهم، وأن يحصل ابنه على تعويض ليعتاش منه هو وأسرته.

هل تنصف حكومة السوداني بالعراق السجناء المظلومين؟
حسن محمد بعد تلقيه العلاج في أحد المستشفيات (الجزيرة نت)

تعويل على المبادرة

وإذا كان حسن محمد قد ابتسم له الحظ وأفرجت السلطات العراقية عنه، فإن المئات من المعتقلين ما زالوا خلف القضبان، في ظل أوضاع معقدة وتعذيب نفسي وجسدي، حيث يتفنن السجانون في إذلال المعتقلين وتعنيفهم وسط غياب أبسط الحقوق، وفق ما تؤكده تقارير حقوقية وشهادات الضحايا.

ورصد المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب من مطلع العام الجاري وفاة أكثر من 28 معتقلا جراء التعذيب والإهمال الطبي، الذي يعد نوعا من التعذيب.

وتعول جهات عراقية ونواب في البرلمان على مبادرة السوداني للحد من الانتهاكات الحاصلة داخل السجون، وتحقيق العدالة لمن تعرضوا للتعذيب، خاصة وأن المنظمات الدولية تسجل بشكل متكرر تلك الانتهاكات وتنبّه إليها.

من جهته، أكد النائب في البرلمان العراقي عبد الكريم عبطان تسجيل الكثير من حالات التعذيب في التحقيق الابتدائي، اعتمادا على المخبر السرّي والوشايات الكاذبة، وقانون مكافحة الإرهاب، والاعترافات القسرية.

وأعرب عبطان في حديثه للجزيرة نت عن تفاؤله بأن تحسم مبادرة السوداني ملف التعذيب لعدة اعتبارات، أبرزها أن السوداني كان نائبا في البرلمان واطلع وغيره من النواب سابقا على العديد من تقارير التعذيب في السجون.

واستبعد أن تكون مبادرة السوداني لأجل الدعاية، بل تهدف لإنصاف المظلومين وإنهاء التعسف والتعذيب الحاصل، بما يعزز حقوق الإنسان ويوقف معاناة الأبرياء.

مبادرات سابقة

وتشير الإحصائيات، حسب النائب العراقي، إلى وجود ما بين 60 و65 ألف معتقل بشكل معلن، حُكم على نحو 10 آلاف منهم بالإعدام، لافتا إلى أن نسبة الأبرياء بين هؤلاء المعتقلين تزيد على 75%، وفقا لإحصائيات المنظمات الدولية والمحلية.

ويتحدث ناشطون وحقوقيون ومنظمات محلية ودولية عن آلاف السجناء الذين اعتقلوا حتى في زمن حكومة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي (2014-2006)، خاصة من محافظات نينوى والأنبار وصلاح الدين وديالى، وتم الاعتقال في أكثرها بناء على معلومات من مخبرين سرّيين، مما يستدعي إعادة التحقيق معهم، ومن ثم إعادة محاكمتهم.

وكانت الحكومات العراقية السابقة تعلن بين الحين والآخر عن إجراءات جديدة، أو تشكيل لجان فيما يتعلق بملف التعذيب في السجون، لكن نتائج تلك النشاطات غير معروفة غالبا، ولم تحرز تلك اللجان تقدما واضحا في هذا المسار، وهو ما يثير التساؤلات عن قدرة حكومة السوداني على تحقيق شيء ملموس لإنصاف آلاف الضحايا.

فاضل الغراوي
الغراوي أشاد بمبادرة السوداني وعدّها نقلة نوعية في التعاطي مع ملف التعذيب في السجون العراقية (الجزيرة نت)

دعوات لإشراك المنظمات المحلية

وأشاد عضو مفوضية حقوق الإنسان (موقوفة) فاضل الغراوي بمبادرة السوداني، وعدّها نقلة نوعية في التعاطي مع هذا الملف، الذي تم رصده من قبل منظمات حقوقية محلية ودولية، وأنها فرصة سانحة لمراجعة كل الإجراءات التي قامت بها الحكومات السابقة، في كل ما يتعلق بالجانب الأساسي لحقوق الإنسان.

ودعا الغرّاوي، في حديثه للجزيرة نت إلى إشراك المنظمات المحلية الحقوقية ومنظمات المجتمع المدني في المبادرة الحكومية لمنحها قوة وشفافية.

وتأتي مبادرة السوداني في وقت تسعى فيه الكتل السنية (معظم المعتقلين من المحافظات السنية) لتعديل قانون العفو العام ليشمل الأبرياء، ويفتح بابا لإمكانية إعادة بعض المحاكمات التي شابتها ملابسات غامضة، أو تمت في ظروف غير ملائمة.

مخاوف من الانتقام

وبعد إعلان مكتب السوداني إطلاق المبادرة الجديدة، تحدثت أوساط عراقية، مقربة من قوى الإطار التنسيقي (الكتلة الكبرى في البرلمان)، عبر وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، عن ضرورة فتح ملف لجنة الأمير الديواني (29)، التي شكلها رئيس الحكومة السابق مصطفى الكاظمي برئاسة الفريق أحمد أبو رغيف، والتي واجهت اتهامات بتعذيب متهمين بالفساد.

لكن المرصد العراقي لحقوق الإنسان (مستقل) دعا في بيان صحفي إلى عدم استخدام هذه اللجنة لأغراض سياسية، وأن تنظر إلى الملفات على أنها حقوقية وتشمل جميع الذين انتهكت حقوقهم على مدى العقدين الماضيين.

بدوره، أكد مصدر في رئاسة الوزراء العراقية أن فريقا حكوميا بدأ أعماله عبر استقبال الملفات والشكاوى والأدلة على التعذيب، مشيرا إلى أن المبادرة تشمل جميع من تعرضوا إلى الانتهاكات خلال السنوات السابقة، وفي عهد أي حكومة.

وأضاف المصدر، الذي رفض الكشف عن اسمه للجزيرة نت، أن الحديث عن وجود رغبة انتقامية لدى القائمين على المشروع الجديد غير صحيح، بل ما سيحصل هو نهج عام، وكل من يقدم أدلة ثبوتية، مثل الصور والفيديو والتقارير الطبية، سيتم التعامل معه وفق السياق القانوني بعيدا عن الجوانب السياسية.

المصدر : الجزيرة