شعار قسم ميدان

العلم يجيبك.. لِمَ يعد حضور المباراة في الملعب مختلفا تماما عن مشاهدتها عبر التلفاز؟

شهدت بعض مباريات كأس العالم هذا العام امتلاء كاملا للمدرجات، في مباراة السعودية والأرجنتين مثلا حضر 88 ألف شخص تقريبا في ملعب لوسيل، أما ملعب البيت فقد شهد حضور 60 ألف مشجع تقريبا في مباراة المغرب وكرواتيا، كما شهدنا أعدادا غفيرة من الجماهير في مباراة تونس مع الدنمارك، وقبلها في مباراة الافتتاح بين قطر والإكوادور. فما الذي يدفع البعض لحضور المباريات في الملاعب ومطاردة فرقهم المفضلة على بعد آلاف الأميال رغم المشقة والتكاليف الكبيرة التي تصاحب ذلك؟

 

حسنا، تعد الملاعب أماكن مثيرة لا شك، طاقة الجمهور وصخبه، وهتاف المشجعين والتصفيق والموسيقى والأبواق العالية، لكنك لا ترى المباراة جيدا، والضجيج لا يُحتمل، لا تسمع جيدا ما يقوله لك صديقك رغم صراخه، والمقاعد التي لا تتسع لأن تفرد قدميك تزعجك، مع صوت ذلك الطفل الذي لا يتوقف عن البكاء، هناك طوابير طويلة لتحصل على طعام أو لتدخل دورات المياه، بخلاف أوقات الانتظار الطويلة للخروج من موقف السيارات. حين يتعلق الأمر بالمشاهدة الجيدة لأحداث المباراة، لا يوجد مكان أسوأ من الملعب بكل تأكيد(1).

 

برغم الأسعار الفلكية وذلك الطفل المزعج

Wales - Iran: FIFA World Cup 2022- - AL-RAYYAN, QATAR - NOVEMBER 25: Fans of Wales prior to the FIFA World Cup Qatar 2022 Group B match between Wales and Iran at Ahmed bin Ali Stadium in Al-Rayyan, Qatar on November 25, 2022.
(Anadolu)

ورغم ذلك لا تكفّ الجماهير الأكثر حماسا عن الذهاب إلى الملاعب وتشجيع فرقها المفضلة، ولا يقتصر الأمر على كأس العالم أو حتى على كرة القدم وحدها، فوفق استطلاع أجرته شركة "تيكيت ماستر (ticketmaster)"، يقطع مشجعو الدوري الوطني لكرة القدم الأميركية (الراجبي) مسافة تبلغ 300 ميل (480 كم) شهريا في المتوسط لحضور مباراة بعيدة، وغالبا ما يتبعون فريقهم إلى أبعد من ذلك بكثير إذا وصل إلى التصفيات. أما عن معدلات الإنفاق، فيقدر متوسط ما يمكن أن تنفقه عائلة متوسطة من 4 أفراد لحضور مباراة واحدة بحوالي 780 دولارا أميركيا(2).

 

بالانتقال إلى كرة القدم مجددا، ووفق تقرير "European Football Benchmark" الذي نُشر عام 2017، ينفق مشجع الدوري الإنجليزي الممتاز مبلغا يصل إلى 1120 جنيها إسترلينيا كل عام لمتابعة مباريات فريقه، وينفق المشجعون الإسبان نحو 710 جنيهات إسترلينية لكل مشجع، يليهم الفرنسيون بمبلغ يقارب 700 جنيه إسترليني، والإيطاليون بمبلغ يزيد عن 630 جنيها إسترلينيا، وينفق المشجعون الألمان نحو 355 جنيها إسترلينيا، ويعود ذلك إلى انخفاض أسعار التذاكر(3).

 

على الرغم من تلك التكلفة العالية، فإن جمهور المدرجات لا يشاهد المباراة بالطبع بمثل الدقة التي يراها بها المتابعون المنزليون عن بعد بأحدث الكاميرات التي ترصد اللعب من عدة زوايا وتعيد عرض اللقطات المهمة، فضلا عن الراحة التي يمكنهم الحصول عليها بالتمدد على الأريكة بين الشوطين أو إجراء مكالمة هاتفية(4).

 

أكثر من الكرة.. تزامن فسيولوجي

AL RAYYAN, QATAR - NOVEMBER 24: Uruguay fans look on during the FIFA World Cup Qatar 2022 Group H match between Uruguay and Korea Republic at Education City Stadium on November 24, 2022 in Al Rayyan, Qatar. (Photo by Ryan Pierse/Getty Images)
(Getty)

يدفعنا ذلك للتساؤل: ما الذي تحصل عليه هذه الحشود التي تملأ المدرجات حقا ويدفعهم لتكبد كل هذا العناء(5)؟ في استطلاع أجراه موقع "sport yougov" لآراء عدد من مشجعي كرة القدم في 5 دول أوروبية تعتبر موطنا لبطولات كرة القدم الكبرى، كان الدافع الأساسي بين المشجعين من المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا هو مشاهدة الفريق الذي يدعمه المشجعون عن قرب، والتمتع بأجواء رائعة، والحصول على تجربة اجتماعية وشعورية أفضل مقارنةً بالمشاهدة على شاشة التلفزيون(6).

 

تشير دراسات متعددة إلى أن الأحداث الجماعية التي تثير المشاعر تُحدث تأثيرات نفسية طويلة المدى، وتحوّل الأفراد على المستوى الشخصي، فتشكل بينهم هويات جماعية قوية، وتعزز السلوكيات المؤيدة للجماعة، والأكثر أنها قد تقودهم أحيانا إلى عنف جماعي وأفعال متطرفة، هذا عن الجوانب النفسية والاجتماعية، لكن هناك تأثيرات أخرى تتعلق بالفسيولوجيا وعمل الجسم نفسه على ما يبدو.

 

في مطلع العام الجاري، وفي محاولة للتعرف على الآثار الاجتماعية للأحداث التي يختبرها الناس عن بُعد، خاصة خلال سنوات الوباء؛ نشرت مجلة "ساينتيفيك ريبورتس (Scientific Reports)" دراسة حول الاختلاف بين مشاهدة المباريات في الملاعب ومشاهدتها في المنزل عبر الشاشات، عن طريق استطلاع آراء نحو 180 من مشجعي فريق "يوكون هسكيز" لكرة السلة.

 

كُلفت مجموعة من المشجعين بحضور المباريات في الملعب، بينما طُلب من المجموعة الأخرى مشاهدتها عن بُعد على شاشة التلفزيون، ارتدى المشاركون أجهزة تراقب معدل ضربات القلب أثناء المباريات كمقياس للاستثارة الفسيولوجية، وأجهزة لمراقبة النشاط البدني قبل المباراة وبعدها. ثم أُجريت استطلاعات للرأي لتقييم شعور المشاركين ومدى شعورهم بـ"اندماج الهوية (identity fusion)"، وهو المصطلح الذي يشير إلى ارتباط الفرد بناديه من ناحية، وبالمشجعين الآخرين للنادي من ناحية أخرى، وما كشفت عنه نتائج الدراسة كان مثيرا؛ فقد أبدى المشجعون الذين حضروا المباريات داخل الملعب تزامنا في معدل ضربات القلب، كان أقوى بشكل ملحوظ من ذلك الذي اختبره الذين شاهدوا المباريات عن بُعد، وقد استمر في جميع المباريات التي أُجريت خلال مدة التجربة.

 

كان المشجعون في الملعب يختبرون التجربة بشكل أعمق إذن، وهذه التأثيرات التي امتدت إلى وظائف الأعضاء لديهم بحيث أحدثت تزامنا للنشاط الفسيولوجي، أحدثت تماسكا اجتماعيا بينهم جراء ما عايشوه من شعور مشترك بالإثارة. تشير الدراسة إلى أن هذه التأثيرات الاجتماعية للرياضة القادرة على إلهام الجماهير وتعبئتها تعتمد إلى حد كبير على التفاعل بين المشجعين لا على مشاهدة اللعبة نفسها، ولذلك فإن هذا التأثير يحدث بشكل خاص بين أولئك الذين يحضرون المباريات في المدرجات ويتفاعلون مع بعضهم بعضا(7).

 

الأمر لا يقف عند هذا الحد، بل يتعداه للتأثير على الصحة العقلية. في دراسة استقصائية قامت بها مؤسسة "Level Play Field" على مشجعي كرة القدم من ذوي الإعاقة خلال سنوات الوباء، أكد 43٪ من المشجعين أن صحتهم العقلية قد تأثرت سلبا بتعليق حضور المباريات، وكشف الاستطلاع أن 62٪ من هؤلاء المشجعين شعروا أن صحتهم ستتأثر سلبا مستقبلا بسبب عدم قدرتهم على حضور المباريات(8).

 

اسم النادي.. اسم العائلة

Portugal v Ghana: FIFA World Cup 2022- - DOHA, QATAR - NOVEMBER 24: Fans of Portugal and Ghana ahead of the Qatar 2022 World Cup Group H football match between Portugal and Ghana at Stadium 974 in Doha, Qatar on November 24, 2022.
(Anadolu)

لماذا يفعل بنا تشجيع فرقنا المفضلة كل ذلك؟ في محاولة للإجابة عن هذا السؤال، أشارت دراسة نشرتها مجلة "فرونتيرز أوف سيكولوجي (Frontiers in Psychology)"، العام الجاري، إلى أن التشجيع يتجذر بعمق في هوية المشجعين، أي أن فريقهم المفضل يصبح بالنسبة إليهم أكثر من مجرد نادٍ رياضي يقدم الترفيه، بل يتحول إلى هوية جغرافية وثقافية وسياسية وعرقية أو عائلية أحيانا، الفريق يمثل المشجعين ويجعلهم جزءا من كيان أكبر، وهكذا يقارنون هوياتهم بهويات الآخرين، ويلعب الأمر دورا اجتماعيا أكبر في حياتهم.

 

تضرب علاقتنا بالفريق الذي نشجعه بجذورها في ماضينا، قد يكون هو الفريق نفسه الذي شجعه الآباء أو ربما الأجداد، تشجيع فريق رياضي أمر معقد يرتبط أحيانا بولائنا للعائلة، هذا الشعور بالارتباط الاجتماعي الذي ينشأ لدى جماهير المشجعين يؤثر بشكل إيجابي على احترام الذات والشعور بالرفاهية، ويلبي الحاجة للانتماء، عند الفوز يحظى المشجعون بتعزيز لتقدير الذات، وعند الهزيمة فإن كون الفرد منهم جزءا من مجموعة كبيرة يزيد من الشعور المتبادل بالتضامن(9).

 

من خلال الهتافات وطقوس أخرى يتعمق الشعور بالهوية، وتصبح الرياضة بمرور الوقت ساحة للصراعات السياسية، والمفاجأة هنا أن هزائم الفريق وانتكاساته لا تتسبب في خلخلة "إيمان" مشجعيه أو هويتهم. في هذا السياق، وجدت دراسة نشرتها مجلة "مانيجينج سبورتس آند ليجر (Managing Sport and Leisure)" عام 2020 أن المشجعين الذين حققت نواديهم نجاحا أقل كانوا أكثر ولاء لبعضهم بعضا، وأكثر استعدادا للتضحية بحياتهم من أجل زملائهم المشجعين. إنها فائدة حقيقية في صفوف المدرجات، حتى المعاناة المشتركة تزيد ترابط الجمهور(10).

 

إثارة غير مسبوقة

Soccer Football - FIFA World Cup Qatar 2022 - FIFA Fan Festival - Al Bidda Park, Doha, Qatar - November 24, 2022 Brazil fans celebrate after Brazil's Richarlison scores their second goal during the match between Brazil and Serbia REUTERS/Amr Abdallah Dalsh
(REUTERS)

إننا نعرف اليوم ذلك التأثير السحري للجماعة، يعيش الناس سنوات أطول ويتعافون بسرعة أكبر من الأمراض عندما يحظون بعلاقات جيدة تقدم لهم الدعم الاجتماعي، ماذا -إذن- لو أحاط بك الآلاف، تشاهد معهم اللعب باستمرار، ويقدمون لك الدعم عندما يصيبك الإحباط؟ ربما لا يكون أداء اللاعبين وحده هو ما يأتي بالحشود إلى المدرجات، إنه الشعور بالتجمعات التي تذيب الفروق بين الأفراد(11).

 

في دراسة أجراها فريق بكلية هارفارد للأعمال عام 2021، درس الباحثون الأسباب التي تزيد أعداد الحضور في الدوري الأسترالي لكرة القدم، وبين عوامل مختلفة، مثل تشكيلات الفرق والإصابات وبيانات الأداء، كان هناك عامل واحد يرفع متوسط عدد الحضور ويزيد اهتمام المشجعين بمقدار 11%، وهو عدم اليقين، تبيع النوادي مزيدا من التذاكر عندما تكون مستويات الفرق في الملعب متقاربة بحيث يصعب التنبؤ بالنتيجة(12).

 

المشجعون إذن يريدون دعم فريقهم كلما كان الأمر أكثر تنافسية وأقل يقينا، يريدون بالفعل أن يكونوا جزءا من نجاحه، اللاعب رقم "12" كما يقال، وفي أثناء المباريات يظهر ما لا يمكنك الحصول عليه في المنزل أو عبر الهاتف، وهو إثارة غير مسبوقة، الكثير من الأدرينالين، وكعب التذكرة الذي ستحتفظ به تذكارا إلى الأبد، ولحظة ثمينة قد يحالفك الحظ لحضورها من صيحة الفوز، إثارة لا توصف في مشاهدة كل شيء عن قرب(13).

 

بين هذه الحشود أيضا من يبحث عن صدفة يقتنصها في كرة ضالة خرجت من الملعب، ليفوز باقتنائها، ولم نتحدث بعد عن متعة ارتداء قمصان اللاعبين المفضلين وطلاء الوجه في يوم المباراة، هناك الكثير من المواقف اللطيفة التي يحظي بها الحضور في المدرجات، اندفاع أحد اللاعبين إليهم فرحا بالفوز، ربما يمكن التقاط صورة لهذا المشهد ومشاركتها مع الأصدقاء.

 

خلال سنوات الوباء، خسرت الأندية مليارات الدولارات بسبب إقامة المباريات دون جمهور، وتعطل أعمال تجارية تمثل شريان الحياة للعديد من المدن. تعلمت الأندية الدرس، وأدركت القيمة الحقيقية لجماهيرها ومدى أهمية أن تظل المدرجات مكتظة وحيوية، بكل ما يعنيه ذلك من انعكاسات اقتصادية(14).

 

متعة قبل المباراة وبعدها

تساعد التكنولوجيا اليوم الأندية على تحقيق مآربها في جلب الجماهير إلى المدرجات، ببساطة لأنه بفضل التقنيات الجديدة، لم تعد تجربة مشاهدة المباريات من الملعب بذلك السوء، وهي تتحسن يوما بعد يوم. هناك شاشات كبيرة في الملاعب وأنظمة إعادة تشغيل، صحيح أنها لا تضاهي جودة الكاميرات عالية الدقة وزوايا التصوير المتعددة التي تتمتع بها تغطية التلفزيون، لكنها تخلق للجمهور تجربة مختلفة عما مضى، وتقلل أسباب عزوف بعضهم عن الحضور للملاعب بحثا عن دقة أكبر(15).

تتحول المدرجات اليوم إلى أماكن رقمية تستقبل الجمهور منذ أن يدلف إلى البوابة بشاشات كبيرة وجذابة تقدم رسائل تفاعلية تثري تجربته وتملأ كل لحظة بالترفيه والمتعة، كما تقوم الشاشات بدورها في عرض البيانات حول المباراة واللاعبين وتشغيل الألعاب على الهواتف الذكية في اللحظات التي يتسلل فيها البطء إلى المباراة، فتقدم اختبارات تفاعلية ومسابقات وتحديات بين المشجعين، وهي تقدم مزايا أخرى متقدمة مثل الإعادة الفورية، فضلا عن أنها تتيح للجمهور رؤية جيدة للعبة، والاستمتاع بالوقت بين الشوطين(16).

 

كما تسهل التكنولوجيا تقديم الخدمات المختلفة، يمكن التعرف على الأماكن المتاحة لصف السيارات والمقاعد، وطلب أطعمة أو مشروبات من خلال الهاتف الذكي، واستلامها من أماكن محددة دون حاجة إلى الانتظار في طوابير، وخلال الانتقال إلى أي من هذه الأماكن لا تفوت المشجع أي لحظة من المباراة، شاشات العرض الضخمة في كل مكان. بعد انتهاء المباراة هناك أنشطة ترفيهية أخرى تنتظر الجمهور، كما تتيح الشاشات الضخمة تنظيم خروج الحشود في وقت أقل ودون معاناة الزحام المعهود(17).

—————————————————————————————

المصادر:

  1. Dizzying highs and crushing lows: is being a sports fan good or bad for you? 
  2. NFL fans spend 46 hours a month obsessed with their team
  3. UK fans pay the most in Europe to follow the beautiful game
  4. Is Watching Sports on TV Actually Better Than Being at the Game?
  5. Sports Teams Running Out of Fans
  6. What makes people in major football markets attend games – and what keeps them away?
  7. Being in a crowd bonds people via physiological synchrony
  8. Fan Servey summery
  9. There’s No Sport Without Spectators – Viewing Football Games Without Spectators During the COVID-19 Pandemic
  10. United in defeat: shared suffering and group bonding among football fans
  11. WHY REAL FOOTBALL FANS WATCH THE GAME AT THE STADIUM
  12. What Actually Draws Sports Fans to Games? It’s Not Star Athletes.
  13. WHY REAL FOOTBALL FANS WATCH THE GAME AT THE STADIUM
  14. What Actually Draws Sports Fans to Games? It’s Not Star Athletes.
  15. Is Watching Sports on TV Actually Better Than Being at the Game?
  16. HOW DATA CAN TRANSFORM THE FAN EXPERIENCE IN SPORTS STADIUMS
  17. Immersive stadium technology redefines the fan experience
المصدر : الجزيرة