شعار قسم ميدان

عالمنا الحديث.. هل بدأه جنكيز خان قبل الأوروبيين بثلاثة قرون؟

مقدمة الترجمة:

يصعب عادة العثور على سردية تاريخية دقيقة تخالف النظرية الشائعة القائلة إن النظام العالمي الحديث بكل ما يميزه من مؤسسات وطرق اتصال تعود جذوره إلى أوروبا. ورغم ذلك، ظهر عدد من الآراء المدعومة بالأدلة التي تنسب بعض الفضل في قيام النظام العالمي الحديث إلى آسيا، لا سيما المناطق التي حكمتها الإمبراطورية المغولية. وفي هذا الصدد، قدمت "فاليري هانسِن"، المؤرخة الأميركية وأستاذة التاريخ بجامعة "ييل"، مراجعة لكتاب "ما قبل الغرب"، الذي كتبته "عائشة زراكول"، أستاذة العلاقات الدولية في جامعة "كامبريدج"، وذلك في مقالها المنشور في مجلة "فورين أفيرز".

 

نص الترجمة:

كم يبلغ عمر العالم الحديث؟ يتجه باحثو العلاقات الدولية إلى تأريخ البداية قبل 500 عام مضت تقريبا، حينما بدأ عدد من دول غرب أوروبا تأسيس مستعمراته في أفريقيا وآسيا والأميركتين. ومن وجهة نظرهم، فإن التحولات التي أطلق لها الاستعمار الأوروبي العنان هي ما جعلت العالم على ما هو عليه الآن، وكذلك فعل "صلح وِستفاليا" عام 1648، إذ ضمَّ الصلح معاهدتين وقَّعتهما القوى الأوروبية المتناحرة، وهو ما كتب نهاية سلسلة من الحروب الدموية. وبحسب رؤية هؤلاء الباحثين، مثَّلت تلك اللحظة البداية الحقيقية للعلاقات الدولية الحديثة، إذ اتفقت الدول رسميا للمرة الأولى بفضل هذه التسوية على احترام سيادة بعضها بعضا على المناطق التي جرى ترسيمها، مما أسس لترسيخ النظام العالمي القائم على "صلح وستفاليا"، بوصفه عالما مُقسَّما إلى دول قومية ذات سيادة.

"صلح وِستفاليا" عام 1648
"صلح وِستفاليا" عام 1648 (مواقع التواصل)

لا تزال هذه الرؤية الأوروبية للماضي تُشكِّل الطريقة التي ينظر بها معظم باحثي العلاقات الدولية للعالم. وحين يبحث هؤلاء في التاريخ ذي الصلة بأحداث العالم اليوم، فإنهم نادرا ما ينظرون إلى ما هو أبعد من نظام الحكم الأوروبي للعالم الذي بدأ ينشأ بعد عام 1500 ميلادية. أما قبل ذلك التاريخ، بحسب تعليلهم، فلم تُمارس السياسة على نطاق عالمي، ولم تكن الدول خارج أوروبا تمتثل لمبادئ نظام وستفاليا. ومن ثمَّ تجاهل باحثو العلاقات الدولية فترات تاريخية طويلة معتبرين إياها غير مهمة لفهم السياسة الحديثة.

 

لكن التركيز المنصب على ذلك العالم الذي سيطرت فيه أوروبا المُسلَّحة بالبنادق والدبابات على شعوب متعددة، يتجاهل الكثير من الأحداث التي وقعت خارج أوروبا والمناطق التي استعمرها الأوروبيون، ويجعل قراءة التاريخ معكوسة، بحيث تبدأ من لحظة الهيمنة الغربية وترتكز إليها، وكأن كل ما جرى قبل ذلك أدى بالضرورة إلى هيمنة عدد من دول أوروبا وأميركا الشمالية. وقد كشف صعود قوى غير غربية مثل الصين والهند واليابان في العقود الأخيرة مدى القصور الذي ينطوي عليه هذا النهج.

 

في كتابها "ما قبل الغرب" (Before the West)، قدَّمت "عائشة زراكول"، أستاذة العلاقات الدولية في جامعة "كامبريدج" البريطانية العريقة، حلا عبقريا لهذا المأزق الفكري. فقد تناولت زراكول في نصها شديد الوضوح والقوة تجربة الإمبراطوريات السابقة غير الغربية التي سعت لتأسيس نظم عالمية، فمنحت الفرصة لتقديم تاريخ جديد للعلاقات الدولية يتجاوز مركزية النظام العالمي القائم منذ "صلح وستفاليا". وتكشف دراسة زراكول طرق التفاعل المؤثرة بين الأنظمة السياسية في أجزاء العالم غير الغربي بعضها مع بعض في الماضي، وما أفضت إليه من مساهمة في تشكيل الطريقة التي يفهم بها القادة السياسيون المعاصرون النظام الدولي اليوم، على حد قولها.

كتاب "ما قبل الغرب" (Before the West)، لـ "عائشة زراكول"
كتاب "ما قبل الغرب" (Before the West)، لـ "عائشة زراكول" (مواقع التواصل)

تعارض زراكول وجهة النظر القائلة إن النظام العالمي الحديث بدأ عام 1648 بعد "صلح وستفاليا"، وتقدم بديلا مثيرا لذلك، إذ تؤرخ بداية النظام العالمي الحديث بدءا من عام 1206، حينما نُصِّب "جنكيز خان" حاكما على شعوب سهول أوراسيا كلها. واختارت زراكول التركيز على "النظام الجنكيزي" الذي وضعه جنكيز خان وخلفاؤه الكثيرون من بعده (ويستخدم الباحثون كلمة "جنكيزي" للإشارة إلى كل ما يتعلق بجنكيز خان). وقد أصابت زراكول في الإشارة إلى أهمية "نظام جنكيز" بوصفه نظاما مُكافئا لنظام "وستفاليا". فبداية من القرن الثالث عشر وتحت حكم جنكيز خان وخلفائه، أسس المغول أكبر إمبراطورية متصلة الأراضي في العالم، التي امتدت على السهول من المجر شرقا وحتى الصين غربا.

 

لقد طمح جنكيز خان إلى حكم العالم كله، وعلى هذا الأساس أقام علاقات دبلوماسية مع جيرانه. ولم ينجح أيٌّ من خلفائه في السيطرة على أراضٍ شاسعة مثله، لكنهم اقتدوا بالمغول وأسسوا إمبراطورية "سلالة مينغ الحاكمة" (في الصين اليوم)، و"مغول الهند" (في الهند اليوم)، و"الدولة الصفوية" و"الدولة التيمورية" (في إيران وأوزبكستان اليوم). ومن أهم الأمور بالنسبة للعلاقات الدولية الحديثة أن الشعوب التي تعيش الآن في أراضي الإمبراطورية المغولية سابقا على دراية تامة بهذا التاريخ، ويتجسد ذلك جليا في طموح الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" (الذي يتأثر بالفكرة "الأوراسية" كما تُسمَّى، ويطمح إلى تجسيد نظام عالمي مرتكز على معظم الأراضي التي حكمها جنكيز خان يوما ما)*.

 

 العالم الذي صنعه "جنكيز"

إن قرار زراكول بالتركيز على المغول قد سمح لها بالخروج عن الأعراف الأكاديمية المتمركزة حول أوروبا في دراسة التاريخ الدبلوماسي والدولي، وقد فعلت ذلك بأساليب جديدة. وعلى خلفية اهتمامها بالنظم السياسية في آسيا، فإنها لم تفترض بأن اتصال هذه الأنظمة بالفاعلين الأوروبيين كان أهم من علاقاتها بعضها مع بعض. ولم تقع زراكول في ذلك الخطأ المتمثل في افتراض أن القوى الآسيوية الأولى لم تكن سوى قوى إقليمية فحسب (كما يذهب باحثون عديدون)*. فقد تطلع جنكيز خان وخلفاؤه جميعا إلى حكم الأرض قاطبة كما عرفوها (مثلهم مثل الأوروبيين في العصر الحديث)*. وصحيح أنهم لم ينجحوا في ذلك (وهو ما لم تنجح فيه أي قوة أوروبية أيضا بشكل كامل)، لكنهم قادوا جيوشا ضخمة قوامها من المحاربين الخيَّالة وأسسوا إمبراطوريات انخرطت دبلوماسيا مع جيران عدة ومع دول بعيدة عن السهول الأوراسية، وهو النموذج الذي اتبعه الحكام الآسيويون المتلاحقون.

المغول
(مواقع التواصل)

استمر "النظام الجنكيزي" لمدة 500 عام تقريبا (أي أطول من نظام وستفاليا منذ تأسيسه وحتى يومنا هذا)، ومرَّ بثلاث فترات مختلفة. امتدت الأولى بين عامي 1200-1400 تقريبا، وشملت هذه الفترة إمبراطورية المغول الموحَّدة التي حكمها جنكيز خان في البداية، إلى جانب الدول الأربع اللاحقة التي تشكَّلت بعد تفكك الإمبراطورية عام 1260 على الأراضي التي تضم اليوم كلًّا من الصين وإيران وروسيا وأوكرانيا وآسيا الوسطى. وفي النهاية، أعلن حكام الدول الثلاث الواقعة في الغرب إسلامهم، أما "قوبلاي خان"، حاكم الدولة الرابعة الواقعة في أقصى الشرق (الذي يضم حاليا الصين ومنغوليا)، فدَعَم البوذية والطاوية والكونفوشيوسية.

 

مَثَّل التعايش السلمي بين هذه الرباعية في القرن الرابع عشر "بداية العلاقات الدولية الحديثة، أي حينما تغلبت المصالح العقلانية للدولة على الانتماء الديني"، على حد قول زراكول. وهنا تبالغ زراكول في طرحها، إذ إن الانتماء الديني غالبا ما تداخل مع "المصالح العقلانية للدولة" في النظم السياسية آنذاك. أما الدين -أو الأديان- التي وقع اختيار الحاكم عليها لرعايتها وتبنيها، فإنها غالبا ما حدَّدت حلفاءه السياسيين الذين اختارهم.

 

تألفت الفترة الثانية في النظام العالمي الذي صنعه جنكيز خان من الإمبراطورية التيمورية نسبة إلى مؤسسها "تيمورلنك"، الذي عاش في الفترة بين عامي 1336-1405، إلى جانب سلالة "مينغ" في الصين، التي حكمت في الفترة بين عامي 1368-1644. وقد بنى تيمورلنك دولته على أنقاض دولة جنكيز خان، حتى إنه تزوج من نسل جنكيز خان لتقوية الرابط بينه وبين الخان الأكبر. وفي تناقض صارخ، سخَّر حكام سلالة مينغ في الصين كل مواردهم لهزيمة خصومهم من المغول والأتراك (بما في ذلك جيش تيمورلنك). ومع ذلك، طمح أباطرة سلالة مينغ في تنصيب أنفسهم خلفاء على أراضي إمبراطورية المغول، حتى إنهم أرسلوا أسطولا من "سفن الكنز" الضخمة مُحمَّلة بـ28 ألف رجل إلى شرق أفريقيا لإظهار قوتهم للعالم. ورغم اختلاف رؤيتهم للمغول، فإن تيمورلنك وأباطرة مينغ الأوائل تطلعوا جميعا إلى حكم إمبراطوريات ضخمة ومذهلة تضاهي إمبراطورية جنكيز خان (مما يعني أنهم امتلكوا طموحات عالمية ولم يكتفوا بكونهم قوى إقليمية)*.

تيمورلنك
تيمورلنك (مواقع التواصل)

شملت الفترة الثالثة من "النظام العالمي الجنكيزي"، كما تُسميه زراكول، ملوك مغول الهند والعثمانيين والصفويين الذين تناوبوا على الحكم لألف عام، أو مَن يُعرَف بعضهم بلقب "صاحب القِران" (أحد ألقاب الملوك في تلك الفترة وتعني الملك الذي يُبشِّر عهده بغزو العالم ونشر العدالة)*. وفي ظل عدم وجود صِلات أسرية بالمغول؛ لم يقتدِ هؤلاء الحكام بجنكيز خان صراحة، لكنهم جميعا تطلعوا إلى حكم العالم. كما أنهم نجحوا في حشد قوات المحاربين من الخيَّالة لغزو مساحات شاسعة من الأراضي تضم حاليا أجزاء من الهند، بالإضافة إلى تركيا وإيران، كما شكَّلت إمبراطورياتهم منافسة حقيقية أمام القوى الاستعمارية الأوروبية في بدايتها. واختتمت زراكول كتابها خاتمة مناسبة تناولت فيها ضعف هذه الممالك الثلاث بحلول عام 1700 تقريبا.

 

اشتركت هذه الدول "الجنكيزية"، التي استمرت خمسة قرون، في سِمات أساسية معينة. فبدلا من اختيار حاكمها بناء على نظام التوريث للابن الأكبر، مثلما فعلت الكثير من القوى الأوروبية آنذاك؛ اختاروهم من خلال نظام "الإنابة"، وبموجب هذا النظام يجب أن يحكم الفرد الأكفأ القبيلة بعد موت القائد. وقد يبدو هذا النظام ديمقراطيا بشكل ما، لكنه لم يكن كذلك تماما. فعليا، كان ذلك النظام يعني أن أي فرد يسعى للسلطة كان عليه الانتصار في صراعات جماعية عنيفة استمرت أحيانا لسنوات إلى أن يجتمع المحاربون لمبايعة قائد جديد. واعتقد المغول أن الجنة أو السماء اختارت المنتصر النهائي في تلك الصراعات على الخلافة، وفي محاولة الحكام "الجنكيزيين" لفهم الجنة/السماء على نحو أفضل، فإنهم دعوا فلكيين أجانب لزيارة بلاطهم، وموَّلوا بناء مراصد فلكية ضخمة.

 

على مر القرون، اشترك حكام تلك الفترات، بحسب زراكول، في "رؤية معينة للعالم الشامل"، وأنشؤوا "المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية"، وأدخلوا تعديلات عليها، وأعادوا تشكيل بعضها. وقد أولى المؤرخون اهتماما أكثر بأدق الحقائق حول ذلك التاريخ السياسي والمؤسسي، بيد أن زراكول قدمت معروفا بلفت أنظار باحثي العلاقات الدولية لهذا التاريخ. وبذلك، فإنها تنتقل إلى ما هو أبعد من الرؤية المتمركزة حول أوروبا للعلاقات الدولية من خلال دراسة الأطراف الذين سعوا لإنشاء إمبراطوريات عالمية تُضاهي إمبراطورية المغول، لا سيما أولئك الذين عاشوا في الأراضي التي تضم حاليا الصين والهند وإيران وروسيا وأوزباكستان. وبتجاوز السرديات المحدودة ببلد أو عِرق أو دين واحد؛ أوضحت زراكول كيف أقام حكام متعددون في آسيا علاقات بعضهم مع بعض، وأسسوا من خلالها نظاما دبلوماسيا يمكن مقارنته بنظام وستفاليا.

 

جوازات السفر الحديدية

يصعب أن تغطي دراسة واحدة خمسة قرون دون شائبة نظرا لطول المدة الزمنية، ولذا فقد تعثَّر كتاب "ما قبل الغرب" في جزئه الأول عند رواية الأحداث الكبرى للأُسَر الحاكمة المختلفة، وشرح السبب الذي يؤهلها (أو لا يؤهلها) كي تكون ضمن "العهد الجنكيزي". لكن اللافت في دراسة زراكول هو الافتقار إلى الكثير من المواد التوثيقية حول الدبلوماسية التي هي الموضوع الأساسي للكتاب. ويُعَدُّ هذا إغفالا عجيبا نظرا لتوفر روايتين مُفصَّلتين لشهود عيان حول زيارات دبلوماسية إلى حكام "جنكيزيين"، وهما روايتان مترجمتان إلى الإنجليزية ومتداولتان على نطاق واسع. وتوضح هاتان الروايتان الطريقة التي عمل بها النظام الدبلوماسي الجنكيزي في الحقيقة، بشكل يتناقض مع الرؤية الحالمة لزراكول فيما يخص براعة الحكم المغولي.

 

زار "ويليام من روبروك" (أو الروبروكي)، وهو راهب فرانسيسكاني بلجيكي الأصل، بلاط الحاكم "مونكو خان"، أحد أحفاد جنكيز خان، في قصره الكائن بالقرب من مدينة "قراقورُم" في منغوليا بين عامي 1253-1255. وكان القائد الصليبي الفرنسي الملك لويس التاسع قد أرسل ويليام باعتباره مُبشِّرا -وليس مبعوثا- إلى المغول، لكنه عندما وصل إلى ميناء "سوداك" على البحر الأسود، كان مستضيفوه من المغول قد سمعوا بالفعل من التجار المحليين بأنه دبلوماسي. وقرر ويليام قبول الامتيازات التي تُمنح للمبعوثين بدلا من محاولة التعبير عن آماله التبشيرية، وعلى غرار كل الرهبان الفرانسيسكان، ارتدى ويليام عباءة بُنِّية ومضى حافي القدمين، وهو الزي الذي جعل رحلته في السهول المتجمدة بالغة الصعوبة حتى استسلم في النهاية وارتدى لباسا من الفراء وحذاء من صوف اللباد.

ويليام من روبروك
الراهب "ويليام من روبروك" (مواقع التواصل)

رغم أن قصة ويليام الروبروكي أقل شهرة من قصة الرحالة الشهير "ماركو بولو"، التي كُتبت بعد 50 سنة لاحقة من ذلك التاريخ، فإن قصة ويليام احتلت 300 صفحة تقريبا في الترجمة الإنجليزية للكاتب "بيتر جاكسون" الصادرة عام 1990. وتُقدِّم القصة الوصف الأكثر تبصُّرا وتفصيلا على الإطلاق حتى الآن للإمبراطورية المغولية. وباعتباره مراقبا يقظا، كتب ويليام تقريره المحايد غير العاطفي كي يقرأه مُتلقٍّ وحيد هو راعيه الملك لويس التاسع. وقد وصف المغول قائلا: "عندما جئت إليهم شعرت حقا كأنني أدخل إلى عالم آخر".

 

أظهرت سردية ويليام بدقة كيف عامل المغول الدبلوماسيين الذين دخلوا إلى مملكتهم. فقد منح المغول لكل المبعوثين الزائرين لوحا معدنيا للمرور (جواز سفر حديدي) يُخوِّل لهم الحصول على الطعام واستبدال خيول جديدة بخيولهم المرهقة عند مراكز بريدية متعددة على طول الطرق الرئيسية التي قطعت الإمبراطورية. وقد تمكَّن حاملو مثل هذه اللوحات المعدنية من قضاء الليل في مراكز البريد. وكان ذلك النظام محكما لكنه لم يكن خاليا من العيوب، وهو ما اكتشفه ويليام بعد عبوره نهر الدون، حينما رفض السكان المحليون منحه المساعدة، إذ استغرق الراهب ثلاثة أيام حتى حصل على فرس آخر. كما أن ظروف السفر كانت شاقة، وحالما بدأ ويليام السفر بوتيرة المحارب المغولي، فإنه استطاع قطع 97 كيلومترا يوميا، واستبدال فرسه مرتين أو ثلاث. وكان إفطاره إما حساء المرق وإما الحبوب الخفيفة، ولم يكن يحصل على وجبة غداء، إذ كان الطعام الصلب الوحيد الذي يحصل عليه المسافرون هو وجبة العشاء.

 

في يوليو/تموز عام 1253، حينما وصل ويليام إلى بلاط "باتو خان"، أحد أبناء أحفاد جنكيز خان، طلب الراهب إذنا رسميا بالتبشير بين المغول. ومن هناك أرسله باتو خان إلى العاصمة في قراقورم، حيث أقام أبوه الخان الأكبر، مونكو خان، قائد الإمبراطورية المغولية. لم يشرح ويليام قرار باتو، لكن من المرجح أن باتو باعتباره قائدا إقليميا تولَّى كل المسائل المحلية ذات الصلة باختصاصاته القضائية، لكنه اضطر إلى إحالة المسائل المتعلقة بالدبلوماسية الدولية إلى الخان الأكبر. تبالغ زراكول إذن في تقدير براعة الحكم "الجنكيزي"، فقد كان الخان وحده مَن يستطيع اتخاذ القرارات في مسائل معينة، وإذا لم يكن موجودا، فما من أحد آخر يمكنه اتخاذ القرار عنه.

"باتو خان"، أحد أبناء أحفاد جنكيز خان
"باتو خان" أحد أبناء أحفاد جنكيز خان (مواقع التواصل)

بعد ذلك بـ150 عاما تقريبا، مرَّ دبلوماسي إسباني بتجربة مشابهة إلى حدٍّ مدهش بتجربة ويليام، إذ زار "روي غونزاليس دي كلافيخو" تيمورلنك في مدينة سمرقند، وهي سوق تجارية كبيرة آنذاك (تقع في أوزباكستان حاليا)، وامتدت زيارته شهرين عام 1404. وكان كلافيخو مبعوثا بإيعاز من الملك هنري الثالث ملك قشتالة، الذي كان يأمل في تشكيل تحالف مناهض للعثمانيين، وسلَّم كلافيخو والوفد المرافق له رسالة وهدايا إلى تيمورلنك. وذُهِل كلافيخو ذهولا كبيرا من ثراء عاصمة تيمورلنك، حيث نصب خمسون ألفا من مؤيديه خيامهم، واستقبل تيمورلنك الوفد الإسباني استقبالا كريما، وقدَّم لهم إمدادات وفيرة من اللحم والنبيذ، ودعاهم إلى عدد من حفلات الاستقبال.

 

ولكن حينما مرض تيمورلنك، تولى ثلاثة من مستشاريه زمام الأمور، وعجزوا عن ممارسة أي سلطة حقيقية، كما طالبوا الإسبان بالعودة إلى ديارهم. ولذا غادر كلافيخو مخفقا عائدا إلى إسبانيا بعد شهرين فقط من وصوله، ولم يلبث حتى عَلِق في النزاعات التي اندلعت بين الطامحين في خلافة تيمورلنك وحكم إمبراطوريته. وتُشابه تجربة كلافيخو تجربة ويليام الروبروكي، فالشخص الوحيد الذي أمكنه اتخاذ أي قرار يتعلق بالعلاقات الخارجية كان الخان بذاته.

 

سجَّلت تجارب ويليام وكلافيخو واقع الحكم المغولي. لربما طمح الحكام المغول في تأسيس نظام عالمي، لكن إمبراطوريتهم ظلت لا مركزية للغاية رغم كفاءة نظام البريد الذي سمح بعبور الرسائل والأشخاص إلى شتى أنحاء الإمبراطورية. وفي غضون ذلك، لم يُدِر الخان الأكبر إمبراطوريته مباشرة، بل عيَّن حكاما محليين حكموا بأنفسهم، واستمروا إلى حدٍّ كبير في العمل بالسياسات نفسها التي حكمت بها السلطات السابقة لصعود المغول.

 

تنسب زراكول الفضل لجنكيز خان في "نشره مبدأ الحاكم السياسي باعتباره صاحب السلطة العليا حصرا، مستمدا شرعيته من تربُّعه على عرش العالم، وذلك من خلال ضرب المثل بنفسه قائدا في عصره". وتزعم زراكول أنه قدَّم "درجة عالية جدا من المركزية السياسية، مُخضِعا كل أشكال السلطة المُتنافَس عليها لنفسه". ففي أثناء الحملات العسكرية، كان لدى الخان سلطة القيادة، وكافأ أتباعه بالغنائم. أما في أوقات السلم، فامتلك الحاكم سلطة أقل بكثير. بيد أن وجهات نظر زراكول لا تتماشى مع تجارب ويليام وكلافيخو، فقد احتفظ الخان "بالسلطة العليا"، أي إنه الوحيد الذي استطاع اتخاذ القرار في مسائل معينة، مثل منح راهب فرانسيسكاني الموافقة لممارسة التبشير، أو إرسال رسالة إلى حاكم آخر، لكنه لم يُطبِّق السياسات التي هدفت إلى الدمج بين الأجزاء المختلفة من إمبراطوريته على نحو جاد.

 

عوالم أخرى.. نُظُم دولية أخرى

المغول
(مواقع التواصل)

قد يتجادل الباحثون حول دقة أحد التفاسير التي تتناول الماضي، لكن التصورات الشائعة للماضي غالبا ما تُشكِّل العلاقات الدولية الحديثة. وحسبما ترجِّح زراكول، يحتاج الباحثون إلى النقاش حول الفترة الزمنية التي تناولتها في كتابها، وأن يسألوا عن "المنطلقات المنطقية التي طُبِّقت في تلك الحقبة وما زالت تُطبَّق في عصرنا". ففي الفصل الأخير من كتابها تستطلع زراكول مفهوم الأوراسية، وهي حركة ثقافية ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين كشفت سوابق غير أوروبية في تأسيس أنظمة عالمية امتدت بين أوروبا وآسيا، ولا سيما طريقة فهم المثقفين في اليابان وروسيا وتركيا لآثار حكم المغول على المدى الطويل على مجتمعاتهم ذاتها.

 

يُعَدُّ هذا الاهتمام بمفهوم النظام العالمي في الخيال غير الأوروبي ملائما في توقيته. فمنذ عشرينيات القرن الماضي، تجادل الباحثون الروس، مثل "نيكولاي تروبِتزكوي" و"جورج فِرنادسكي" و"ليف غوميلوف" فيما بينهم حول تأثير الحكم المغولي طيلة قرنين من الزمان في روسيا الحديثة. كما أنهم دعوا القادة المعاصرين للاقتداء بجنكيز خان وتوحيد الروس حتى يتمكَّنوا من بناء إمبراطورية جديدة تمتد بين أوروبا وآسيا. ولقي مثل هذا الفكر شعبية هائلة منذ انهيار الشيوعية والاتحاد السوفيتي، فكثيرا ما يُقارَن بوتين بجنكيز خان، ولا تُثير الدقة التاريخية بالطبع قلق مستشاري بوتين في هذا الصدد. وفي معرض دفاعهم عن الأوراسية وكيف ستُقوِّي روسيا، تذرَّع هؤلاء بتقاليد لا علاقة لها بمعاهدة وستفاليا، ولذا أصابت زراكول في رؤيتها بأن التاريخ الذي تقوم على أساسه الأوراسية يساعدنا في فهم الأحداث التي تجري في المنطقة التي حكمها المغول ذات يوم.

 

على غرار أي كتاب رائد في مجاله، يغطي كتاب "ما قبل الغرب" مساحة جديدة شاسعة جدا بما يجعله قاصرا عن ضبط الحقائق بكل تفاصيلها، (لا سيما تضخيمه لمركزية إمبراطورية المغول). ومع ذلك، قدمت زراكول خدمة مهمة بإثباتها مدى ما أسهم به تاريخ مناطق مختلفة من العالم قبل عام 1500 في حاضر النظام الدولي ومستقبله، بيد أنها بابتدائها من عام 1206 تجازف بإغفال أهمية أحداث سبقت هذا التاريخ نفسه، مثل اعتناق الأمير فلاديمير الأول "الأرثوذكسية الشرقية" نحو عام 988 في عاصمته كييف، لا سيما أن رغبة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في تأسيس إمبراطورية أوراسية تشمل سعيه لضم معقل الأرثوذكسية الروسية التي تشكَّلت في السنوات الأخيرة من الألفية الأولى (على أراضي أوكرانيا اليوم)*.

الأمير فلاديمير الأول
الأمير فلاديمير الأول (مواقع التواصل)

هذه هي تماما وجهة نظر زراكول، إن دراسة المجتمعات غير الأوروبية التي طمحت إلى تأسيس أنظمة عالمية قبل عام 1500 تكشف لنا الكثير عن عالمنا الحديث، والأنظمة العالمية التي أسسها حكام أقدم خارج أوروبا تظل ذات أهمية بالغة، نظرا لأن الناس الذين يعيشون في تلك المناطق اليوم يستعيدون تلك المآثر والأنظمة العتيقة، محاولين أحيانا إعادة تأسيسها. وينتج عن الاهتمام بالممارسات الدبلوماسية التي ابتكرها الحكام الأقدم توازن يعادل كفة التركيز الحصري على نظام وستفاليا.

 

في العالم متعدد الأقطاب الذي نحيا فيه اليوم، بات القادة الأميركيون يقضون فترة رئاستهم في النظر في الخطوات التالية لنظرائهم في كلٍّ من أنقرة وبكين وموسكو ونيودلهي وطوكيو، لكنهم نادرا ما ينظرون في تاريخ تلك الأجزاء من العالم. لقد حان الوقت ليحذو المزيد من الناس حذو زراكول ويدرسوا ماضي الكثير من المراكز السياسية والاقتصادية خارج أوروبا.

—————————————————————

هذا المقال مترجم عن Foreign Affairs ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

ترجمة: هدير عبد العظيم.

المصدر : مواقع إلكترونية