وكالة البلح.. سوق الفقراء يستقطب الأغنياء في مصر

يقاوم أبناء حي وكالة البلح في القاهرة زحف "البلوغرز" إلى سوق الملابس المستعملة (البالة) الشهير فيه، والتي يتسابق إليه أبناء الطبقة الغنية ومشاهير مواقع التواصل الاجتماعي، من فيسبوك وتيك توك وإنستغرام.

وتحوّل الحي المصري المطل على النيل، قبل نحو سنتين، إلى ما يشبه الـ"تريند"، بعدما انتشرت فيديوهات المشاهير عنه، فنشرت "البلوغر" دانا حمدان، شقيقة الفنانة مي سليم والفنانة ميس حمدان، فيديو تكشف فيه تفاصيل يوم كامل أمضته فيه.

وظهرت حمدان في الفيديو تجوب وكالة البلح ومحلاتها التجارية، وتشتري ملابس "براند" قالت إنها رخيصة وتناسب الجميع.

ويضم موقع "يوتيوب" نحو 3 آلاف فيديو عن سوق البالة في وكالة البلح، وكيف تشتريها منها ملابس كثيرة بأقل سعر، فضلا عن آلاف المقاطع عبر إنستغرام وتيك توك وفيسبوك والتي تدعو أبناء الطبقة المتوسطة والأغنياء للشراء من الوكالة بعد ارتفاع الأسعار الذي أصاب "البراندات" (الماركات الشهيرة) في مصر.

"الأصليون" يشكون ارتفاع الأسعار

ومع تدهور العملة الوطنية مؤخرا، وما رافق ذلك من أزمات عصفت بأبناء الطبقة المتوسطة في مصر، تحولت وكالة البلح من "مول الفقراء" وأصحاب الدخل المحدود إلى أرض جديدة للمعركة بين الأغنياء والفقراء في مصر. وكادت الوكالة تلفظ زبونها الأصلي، تاركة له بضاعة الأرصفة، مكتفية بهؤلاء القادمين من الفيديوهات المنبهرين بأسعار لا تقارَن بتلك الموجودة في أفخم المحلات التجارية، التي تبيع "ماركات" عالمية في القاهرة.

وبدلا من الدعوة إلى شراء الملابس من الوكالة، انتشرت دعوة أخرى إلى ترك الوكالة لأصحابها، بعدما شهدت محلاتها تغيرا كبيرا في مستوى الأسعار، إذ صارت فوق استطاعة أبناء الطبقة المحدودة الدخل.

و"صار شراء جاكيت يقي من البرد يكلف ثمن كسوة كاملة لسنتين"، وفق تعبير إحدى الأمهات التي جاءت من الزاوية الحمراء تسير بجانبها ابنتها التي تمسك بعباءتها خشية فقدانها في الزحام.

تقول السيدة الثلاثينية التي تعيل 4 أطفال للجزيرة نت "نحن لا نعرف سوى الوكالة في الصيف والشتاء والأعياد، لكن ما كنا نشتريه بـ10 جنيهات سابقا أصبح اليوم بـ100 جنيه".

ولا تعرف تلك السيدة، طبعا، ما يدور في عالم الـ "بلوغرز"، لكن الحاج رضا، صاحب أحد المحلات في الوكالة، يعرف الكثير عن الأمر، ويقول للجزيرة نت إن "السوق تغيّرت كثيرا منذ نحو سنتين، إذ بدأت الوكالة تستقطب أناسا غرباء، يمشون ويصوّروننا ويتكلمون ويضحكون معنا. في البداية، كنا نخاف ونرفض التصوير، لكننا فهمنا أن مكاسب مهمة تكمن وراءهم، وأن رزقا كبيرا جاءنا".

يتحدث الحاج رضا عن فيديوهات الـ "بلوغرز" بكثير من الإيجابية، إذ ساهم هؤلاء في إحياء الوكالة بعدما كادت تفقد رونقها. لكنه يؤكد أن "زبون الوكالة الأصلي معروف"، وأن الوكالة لا تضيق أبدا بالفقراء. ويضيف "أصبح في استطاعتنا التفريق بين الزبون الذي يقصدنا بحثا عن "براند" يعرف ثمنه أصلا، وبين الزبون الذي يتوق إلى شراء ما يُفرحه وسط زملائه في العمل أو الجامعة، وبين زبون لا يعرف أن يشتري من مكان آخر. لكل واحد من هؤلاء سعر".

حرب فيديوهات

وفي مقابل دعوات الإقبال إلى الوكالة، ظهرت دعوات أخرى تدعو إلى ترك الوكالة لأصحابها، فظهر "بلوغر" يُدعى "هزيم" في مقطع منتشر على "تيك توك" مع شابة تدعى "نانا" التي دعت إلى "ترك الوكالة لأصحابها"، معتبرة أن أسعار السلع في الحي ارتفعت بشكل مبالغ فيه إثر رواج تلك الفيديوهات. وبالتالي، أصبح الشراء من الوكالة محالا على زبائنها من الفقراء وأصحاب الدخل المحدود.

وردت سماح فتحي، إحدى مشاهير "تيك توك"، والتي كانت صوّرت الكثير من الفيديوهات للشراء من الوكالة، على فيديو "هزيم ونانا"، معتبرة أن ارتفاع أسعار الوكالة يرجع إلى الانخفاض الذي شهده الجنيه وانهيار الاقتصاد المصري ووقف الاستيراد.

تحولت وكالة البلح من "مول الفقراء" وأصحاب الدخل المحدود إلى أرض جديدة للمعركة بين الأغنياء والفقراء (الجزيرة)

من وكالة البلح إلى التجارة الإلكترونية

غير أن المعركة في سوق الملابس المستعملة لا تتوقف عند حدود الحي المصري الشهير، بل تجاوزته إلى تطبيقات مخصصة لبيع الملابس المستعملة، وكذلك من خلال صفحات التجارة عبر "فيسبوك" و"إنستغرام" حيث تشهد حركة ضخمة للبيع الإلكتروني والشحن "أونلاين" تتجاوز أرباحها أضعاف الربح في وكالة البلح، وفق الحاج منصور الراعي، أحد تجار الوكالة.

ويوضح الحاج منصور، في حديث إلى الجزيرة نت، أن "تجار الاستوكّات (وهي ملابس جديدة تابعة لماركات عالمية ولكن لم تفلح المتاجر الكبرى في بيعها للعملاء) يشترون بضائعهم من المصدر الأساسي، وأحيانا يستوردون لحسابهم من دول أوروبا.

ويضيف "نحن كتجار في الوكالة نعرف أن شباب الجامعة الأميركية يقومون بذلك من خلال التعامل مع تلك المصادر الأجنبية عبر الإيميل (البريد الإلكتروني)، وهي طريقة لم نتعلمها، ما اضطرنا إلى فتح فرص جديدة للعمل هنا في الوكالة، فأصبحنا نوظف شبابا متعلمين ويجيدون التسويق الإلكتروني لمواكبة حركة التجارة. وهذا أيضا كان سببا لرفع الأسعار".

المصدر : الجزيرة