باحث يوثق 50 نوعا من الخبز في محافظات مصر

بدأت الرحلة قبل 20 عاما. العمل في محمية جبل علبة كان اللبنة الأولى للبحث والتوثيق في حياة الباحث البيئي أسامة غزالي.

توثيق التراث البيئي والعمراني كان الشغف الكبير والمستمر في حياة غزالي الذي أمضى جُل حياته متنقلا بين حلايب وشلاتين جنوبي شرقي البلاد، حتى الواحات في الصحراء الغربية وسلاسل جبال البحر الأحمر بالشرق، دارسا كل التفاصيل التي جمعت أو اختلفت بين أهل المحروسة، من الدلتا إلى أقصى جنوب الوادي.

توثيق تراث (العيش) الخبز المصري كان من بين أهداف غزالي في جولاته بين ربوع مصر، التي شاهد فيها أنواعا مختلفة من الطعام متأثرة بالبيئة التي تصنع فيها. وثق غزالي في جولاته 50 صنفا من الخبز المصري، بين "عيش" يومي للطعام، وفطير للمناسبات، والكحك (الكعك) للأعياد، ومخبوز الأفراح، وطحين المعازي.. وسواها.

يؤكد الباحث البيئي -في حواره مع الجزيرة نت- أن هذه الأنواع المتبقية من نحو 130 نوعا من الخبز عرفها المصري القديم، ودونت على جدران المعابد، وأغلبها لم يعد موجودا.

غزالي يجوب مصر لتوثيق الحياة اليومية ويدوّن تراث الخبز المصري
غزالي أكد أن هناك نحو 130 نوعا من الخبز عرفها المصري القديم (الجزيرة)

القاهرة كانت هي المحافظة الوحيدة التي اهتم الموثقون العرب بتوثيق تاريخها وأحداثها، مبتعدين عن البشر وحيواتهم، على عكس التوثيق الغربي عن مصر، حتى وإن فازت القاهرة بالنصيب الأكبر منه. واهتم الباحثون بجوانب الحياة المختلفة بعيدا عن أهواء الأنظمة التي كانت تحكم حينها.

يقول غزالي "يعتقد البعض أن توثيق رغيف الخبز وأشكاله المختلفة في ربوع مصر مهمة يسيرة أو ليست ذات أهمية، لكن الحقيقة أن الأمر معقد للغاية، فتوثيق أشكال الحياة والعمران والملابس والتطور المجتمعي هو توثيق لما يعيشه الإنسان في الحياة بالفعل، وهو ما آمن به الفراعنة، فوصَلَنا عنهم تاريخ الملابس والعمران والمأكولات التي ما كنا لنعرفها أبدا لولا تدوينها على الجدران".

عبر صفحته الشخصية على فيسبوك، دوَّن غزالي 50 صنفا من الخبز المصري بمكونات عدة من قمح وشعير وذرة وعدس ودقيق أبيض وحلبة وبامية مجففة.

خبز سيناء

لا تزال أنواع عدة من الخبز السيناوي معروفة حتى الآن، وتُخبز بالبيوت في سيناء، ومنها: الفراشيح، واللبة، والرقاق، وعيش الصاج، وعيش الميفة (وهو يشبه التنور العراقي) وعيش اللحوح (وهو صنف يخبز في قبيلة العبابدة) وخبز الملولي الخاص بقبائل شمال سيناء.

خبز الدلتا والوجه البحري

في الدلتا، تشتهر أنواع أخرى من الخبز، ولا سيما تلك المخصصة للأفراح والمناسبات، وتلك التي تقدم للضيوف أو للعروسين فقط، فضلا عن أصناف أخرى تقدم في أسبوع المواليد الجدد، كالمرحرح والبطاطي والبتّاو، وهو الخبز المصنوع من دقيق الذرة، وكذلك عيش البامية المصنوع من الدقيق والبامية المجففة.

المطبّق والفطير المشلتت هما صنفان قريبان من بعضهما، لكن يختلف المطبّق بأنه يُخبز في طاسة (مقلاة) وهو شبه بالمطبّق اليمني أو الخليجي.

عيش الكوماج بكفر الشيخ، وعيش لجط ورهيف، وعيش الردة والذرة، 4 أنواع من الخبز في كوم حمادة والبحيرة، وعيش الفتاوى بالدقهلية والمدن في بعض محافظات الدلتا.

خبز الصعيد والوجه القبلي

العيش الشمسي هو أشهر ما يقدمه أهل الصعيد من خبز، ومعه عيش أبو قرون، وهو عيش شمسي له قرون من الجانبين ويُخبز في الأعياد، وخبز الشعير وهو يعجن من الشعير وينتشر في الوادي الجديد.

القرص الصعيدي، والفايش، والكشك الصعيدي، والمخروطة والقدوسية، وجميعها معجنات من الدقيق والماء أو اللبن، عيش القروص والزلابيا في قنا، والرشتة والدشيشة وفطير الدماسي في بعض قرى سوهاج، وخبز المردد في الوادي الجديد، وفطير القدسية في قرى قوص ونقادة.

خبز الواحات والصحراء ومطروح

الرقاق والباقوري، من أشهر ما يُخبز في الصحراء الشرقية، المجردق ويطلق عليه أيضا "خبز الطوارئ" في محافظة مطروح، وهو خبز يصنع من دون خميرة، ويصنع على الصاج، ويشبه الرقاق إلى حد كبير. وفي مطروح، كذلك، يوجد خبز "الجراسة" وهو بلا خميرة أيضا ويُطمر بالجمر.

"العصيدة" خبز يُصنع في الصحراء الشرقية، إنجيل سيوة، وهو خبز مصنوع من التمور المخلوطة بالدقيق ويخبز بالبيوت السيوية ويقدم في ولائم الأعراس وللعروسين ليلة الزفاف.

"تانقوطعت" هي شرائح العجين الجافة التي تقدم للضيوف الأيام الأولى من قدوم المولود، وهي مصنوعة من المعكرونة المحلية الصنع وتسقى بالحلبة والعسل أو السكر والزبدة.

خبز أسوان والنوبة

"عيش الفتة" في أسوان، ويُخبز خصيصاً لعمل الفتة أيام المواسم والأعياد.

أما الخامر، وهو خبز يصنع في بيوت النوبة، ويشبه عيش الأفران البلدي. والشدي، وهو خبز رقيق جداً يُصنع من القمح والذرة، ويخبز في الصاج في أسوان. والكابد، وهو يشبه الشدي، لكنه أكثر سمكاً ويشتهر في النوبة.

الخمريت، ويُصنع من الذرة العويجة والقمح، ويطلقون عليه الدوقة، ويخبزه أهل كلابشة في أسوان وفي النوبة.

كل هذا الجهد البحثي قام به غزالي منفردا، ويسعى حاليا إلى تجميعه في كتاب مصوّر يوثق التراث المصري للخبز، ويصبح مرجعا لأشكال وأنواع المخبوزات المصرية.

ويؤكد للجزيرة نت أن الأيام المقبلة ستشهد توثيق كل جولاته البحثية والتوثيقية للحياة في مصر في كتيبات يغطي كل منها محافظة بكل جوانبها، مضيفا "أتمنى أن تتشارك الجهات المعنية بمصر في توثيق هذا التراث الحي الموشك على الانقراض".

المصدر : الجزيرة