الأقصى الملهم الأول والأخير.. تحف فنية خشبية وزجاجية تزين منزل مسنّ مقدسي

القدس المحتلة- على الرغم من سنوات عمره الـ74، لا يزال الفلسطيني عزام أبو السعود شغوفًا بالتعلم وممارسة هواياته وتطويرها يوميا منذ عام 2013 الذي أُحيل فيه إلى التقاعد.
يطل منزل أبو السعود الكائن في حي رأس العامود على سور القدس التاريخي والمسجد الأقصى، وتظهر جماليات البلدة العتيقة في أبهى حللها من مشربية منزله التي صنعها بيديه.

في الطابق السفلي للمنزل، يخيل للزائر أنه يدخل معرضا فنيا يضم مجموعة من القطع صُنعت بتأنٍ وحرفية عالية، بدءًا من النوافذ والأبواب مرورا باللوحات والتحف والثُريّات وانتهاء بالأثاث.
وجميعها عمل صاحب البيت على إنتاجها يدويا عبر ممارسة هوايته في 3 حرف، هي: الخشب المُزخرف، والخشب المُعشق، والزجاج الملون.
ولد أبو السعود عام 1948، لعائلة مقدسية عريقة أُسكنت في العهد المملوكي في بناية وقفية أطلق عليها اسم "زاوية أبو السعود"، التي هُدمت على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي عام 1968، وكانت ملاصقة للمسجد الأقصى المبارك وتطلّ شرفاتها على ساحاته.

معايشة الفن وممارسته مبكرا
أمضى أبو السعود طفولته في رحاب المسجد الأقصى، مرافقًا خاله وفنانين إيطاليين وصلوا إلى المسجد المقدّس في خمسينيات القرن الماضي لإجراء عمليات تأهيل وترميم لنوافذه وزخارفه، وكان يراقب عملهم عن كثب حتى أتقن بعضه، وأسهم في مرحلة تعشيق الزجاج آنذاك.

لم يمارس أبو السعود هذه الهواية فترة طويلة بسبب انهماكه في التعليم المدرسي ثم الجامعي الذي أتمّه في تخصص التجارة بمصر.
وبعد عودته إلى وطنه الأم، عمل 45 عاما قبل أن يتقاعد، شغل خلالها مناصب عدة؛ أحدها في مجال إدارة شركة تجارية، والثانية في جامعة بيرزيت التي أدار فيها دائرة العطاءات واللوازم لمدة 15 عامًا. ثم ترأس الغرفة التجارية الصناعية العربية في القدس، وتقاعد من هذا المنصب عام 2013، لتبدأ رحلة شغف جديدة.

في بداية المشوار، شعر الرجل بحاجته إلى سبر أغوار عالم الزخارف الإسلامية، وارتأى ضرورة تنمية هوايته بالبحث والقراءة ليتمكن من إنتاج قطع فنية مميزة، فأبحر في المراجع المختلفة، وحلّق إلى كل من مصر وتركيا والمغرب وإسبانيا، بحثا عن الفروق في الزخارف الإسلامية، وما يميز كل حقبة عن غيرها.

أنتج أبو السعود أول عمل فني بطريقة يدوية بحتة، ثم تعرف على التطورات في مجال فن حفر الخشب، فواكبها، واستهوته التفاصيل إلى حدّ إعادة ترميم كل نوافذ وأبواب منزله ذي الطابقين.
"قررتُ عرض أعمالي الفنية أمام الناس، فنظمتُ معرضا أبهر الحضور، وعرضتُ فيه 20 قطعة فنية، بيع منها 18 عملا، مما شجعني كثيرا لأنني كنتُ أنفق من جيبي على هواياتي الفنية، ثم أصبحت المبيعات تغطي تكاليف الأعمال لاحقا"، كما يقول أبو السعود.

بناء عريق وفن أصيل
يسكن الفلسطيني المسنّ اليوم مع زوجته في بيت قديم بُني عام 1885، وتنسجم أعماله الفنية مع عراقة حجارة الجدران القديمة والأسقف العالية المقببة. ويتذكّر منازل البلدة القديمة، حيث "كل نوافذها كانت من الزجاج الملون، وجميع شرفاتها كانت عبارة عن مشربيات، لكن زلزالين قويين شهدتهما القدس خلال القرن العشرين نسفا فيها هذا الفن العريق عن بكرة أبيه".
وعن اندثار هذا الطابع من المنازل العتيقة، يقول أبو السعود إن رحالةً أجنبيا زار القدس قديما وكتب في مذكراته أن عدد المشربيات في البلدة القديمة بلغ 455 مشربية، "لكنها لا تتعدى اليوم 10 مشربيات".

قرر أبو السعود إعادة إحياء هذا العنصر المعماري التراثي في منزله، ولفت إلى أهمية الأمر في البلدة القديمة في ظل محاولات إخفاء طابعها الإسلامي والمسيحي وإحلال الطابع اليهودي على مبانيها.
تنساب جماليات قصص القدس القديمة على لسان المسن المقدسي تماما كما تنساب الألوان المبهجة على الزجاج الذي يُلوّنه بحرفية عالية.
وخلال الخروج من منزله، لا تقل الصورة جمالا بإطلالة استثنائية على المسجد الأقصى الذي يصفه أبو السعود بأنه "ملهمه الأول والأخير".
