"توت عنخ أمون" الفرعون الصغير

الملك "توت عنخ آمون" أحد أشهر فراعنة مصر القديمة من الأسرة الـ 18، وحاكم مصر وفرعونها خلال الفترة من 1334 إلى 1325 (ق م) من عصر الدولة الفرعونية الحديثة، حسب ما تقول نظريات علماء المصريات.

ويظل "أمون" لغزا بل يعد أحد أسرار المصريين القدماء، ويعتبر اكتشاف مقبرته السبب الرئيسي لشهرته.

ويعتقد علماء المصريات أن الملك "أخناتون" هو والد "توت عنخ أمون" ولكنهم مختلفون حول اسم والدته هل هي "السيدة الصغيرة" التي لم يستدل على اسمها حتى الآن، أم هي الملكة "تي". إلا أن عددا كبيرا منهم يرون أن "توت عنخ آمون" كان ابن "أخناتون وكييا".

وحسب المتداول حاليا في الخلاصات التي انتهى إليها علماء الآثار، ينتهي نسب الملك "توت عنخ أمون" إلى الملك "أمنحوتب" الثالث (1390-1353 ق م) وزوجته الملكة "تيي" (1390-1340 ق م) والدي الفرعون الملك "أخناتون" (1353-1336 ق م) الذي كان يسمى أيضا "أمنحتب" الرابع، والذي تقول عنه الروايات إنه "موحد الآلهة التي كان يعبدها الفراعنة سابقا" في مصر القديمة.

تغيير الآلهة

وكان الملك "أخناتون" متزوجا بأكثر من امرأة، أشهرهن الملكة "نفرتيتي" التي لم تنجب سوى الفتيات، وتقول خلاصة الدراسات الأثرية إنه "اضطر" لأن يتزوج من أخته لتنجب له "توت عنخ أمون" وريث العرش.

ولد "توت عنخ آمون" في العام الـ 11 من حكم والده الملك أخناتون، الذي بدأ منذ عام 1369 (ق م). ويقال إن "توت عنخ أمون" هو الآخر تزوج من أخته غير الشقيقة "عنخ إسن أمون" وهي بعمر 13 عاما، بينما كان عمره 8 سنوات فقط.

وتعد العديد من محتويات مقبرة "توت عنخ آمون" من شواهد زواجه من "عنخ إسن أمون" التي كبرت معه في القصر، وهي الابنة الرابعة من بنات "أخناتون ونفرتيتى".

تتلمذ "توت عنخ آمون" و"عنخ إسن أمون" معا على يد معلمين وكتبة أصول الحكمة والمعرفة حول ديانة "اَتون" الجديدة التي وحد عليها "أخناتون" مصر القديمة وألغى العقائد القديمة الخاصة بالآلهة الفرعونية "آمون".

"توت عنخ أمون" كان عمره 9 سنوات عندما أصبح فرعون مصر من (1334 إلى 1325 ق م) في عصر الدولة الفرعونية الحديثة، حيث عاصر فترة انتقالية عصيبة في تاريخ مصر القديمة، إذ أصبح ملكا السنوات الأخيرة للثورة الدينية التي أحدثها "أخناتون" الذي حاول توحيد آلهة مصر القديمة في شكل الآلهة الواحدة "آتون".

وقبل توليه العرش، كان يعرف باسم "توت عنخ آتون" حتى بدايات حكمه، وتحت تأثير كهنة "اَمون" استطاع مستشاروه -مدعومين بهؤلاء الكهنة- أن يقنعوه على أن يعيد "الآلهة آمون" إلى مكانتها السابقة، وإهمال عقيدة "آتون" التي دعا إليها والده الملك "أخناتون".

وعندما رحل الزوجان الملكيان عن مدينة "أخت آتون" في تل العمارنة (بمحافظة المنيا الحالية وسط صعيد مصر) ليقيما في طيبة ومنف (الأقصر) العاصمة القديمة للبلاد، غيرا اسميهما، الأول من "توت عنخ أتون" -الذي يعني صورة "آتون" الحية- إلى "توت عنخ أمون" بمعنى صورة "أمون" الحية، والثانية من "عنخ إسن آتون" -الذي يعني "هي تحيا لآتون"- إلى "عنخ إسن أمون" بمعنى "هي تحيا لآمون" أو "عائشة لأمون".

إنجازات "توت عنخ آمون"

رغم فترة حكمه التي لم تتجاوز 10 سنوات، يرى علماء المصريات أنه قام بالعديد من الأعمال، أهمها إصلاح تماثيل وأعمدة معبد الكرنك، كما أنشأ المراكب المقدسة وشيد قصر "السنين" على الضفة الغربية، والذي يعد إلى الآن لغزا هو الآخر، حيث إن مكانه لم يستدل عليه حتى يومنا هذا.

لكن أكبر إنجاز للملك "توت عنخ أمون" -حسب الدراسات نفسها- يتمثل في إعادته عبادة الآلهة الفرعونية أمون للبلاد، بعد "الانقلاب الديني" الذي قاده والده "أخناتون" الذي دعا لعبادة الآلهة "آتون" وعمل على تهدئة ثورة "تل العمارنة" التي قامت بسبب رغبة أبيه الملك "أخناتون" في توحيد آلهة الفراعنة وعبادة إله واحد هو "أتون" ونقل العاصمة من طيبة إلى تل العمارنة.

وفجأة ولأسباب مازالت مجهولة، توفي الملك "توت عنخ أمون" (1325 ق م) ودفن في مقبرة صغيرة بوادي الملوك.

وادي الملوك والملكات

وكان "توت عنخ آمون" قد خطط لعمل مقبرة ضخمة في وادي الملوك، إلا أن الموت لم يمهله لاستكمالها، وبدلا من ذلك تم دفنه في مقبرة صغيرة محفورة بالصخر، ربما صممت لأحد الأشراف الذين نالوا امتياز الدفن بالوادي، ولكنها لم تكن مصممة لمكانة ملك.

وتقول بعض النظريات إن تلك المقبرة يبدو أنها كانت مصممة للوزير "اَي" وكان قد انتهى العمل منها وزخرفت فى 70 يوما، وهي المدة الخاصة بإعداد وتحنيط المومياء.

ويعد وادي الملوك واحدا من الأماكن الأكثر عجائبية في العالم، ويقع فى البر الغربي من النيل، حيث مدينة الأقصر الحالية، وكان أول من دفن فيه الملك "تحتمس" الأول. وكان "توت عنخ آمون" هو الملك السابع الذي دفن بالوادي، في حين كان "رمسيس" العاشر هو الأخير.

وعلى امتداد قرون عديدة، كان هناك ما يقرب من 62 مقبرة مخبأة بوادي الملوك، ومعظمها يخص الفراعنة، أما الملكات فقد دفنَّ في واد قريب، يعرف حاليا باسم وادي الملكات، واستمر استخدام الوادي للدفن حتى الأسرة رقم 21، إذ تم إهماله واستمرت عملية الدفن بأفنية المعابد.

لغز الموت

هناك اعتقاد سائد أن وفاة "توت عنخ أمون" لم تكن لأسباب مرضية، وإنما قد تكون جراء عملية اغتيال قام بها الوزير "خبرخبرو رع" وهناك العديد من "الأدلة" التي يوردها المؤمنون بهذه النظرية.

وعام 2010 أظهرت نتائج تحليل الحمض النووي (DNA) والمسح بالأشعة المقطعية -لمومياوات كل من "توت عنخ أمون" و"أمنحتب" الثالث ومومياء المقبرة رقم 55- أن صاحب مومياء المقبرة رقم 55 هو "أخناتون" ابن "أمنحتب" الثالث و"تي" وهو أيضا والد "توت عنخ أمون".

كما تقول بعض الأبحاث والدراسات إنه لا توجد أية أدلة على أن "توت عنخ أمون" قد تعرض لعملية اغتيال، وأن الفتحة الموجودة في جمجمته لا تعود لسبب تلقيه ضربة على الرأس كما كان يعتقد في السابق، وإنما تم إحداث هذه الفتحة بعد الموت لغرض التحنيط، والكسر في عظم الفخذ الأيسر، الذي طالما تم ربطه بنظرية الاغتيال، هو نتيجة حادث تعرض له قبل موته، وربما يكون الالتهاب الناتج عن هذا الكسر قد تسبب في وفاته.

قبل الدراسة المذكورة آنفا، كانت هناك محاولات لمعرفة سبب الموت باستعمال أشعة إكس على مومياء "توت عنخ أمون" جرت في جامعتي ليفربول وميشيغان عامي 1968 و1978 على التوالي، وعلى إثرهما تم اكتشاف بقعة داكنة تحت جمجمة "توت عنخ أمون" من الخلف، والذي تم تفسيره على أنه نزيف في الدماغ، مما أدى إلى انتشار فرضية أنه قد تلقى ضربة على رأسه أدت إلى نزيف في الدماغ أودى به إلى الموت.

دراسة أخرى نشرت في مارس/آذار 2010 أوضحت أن سبب موت "توت عنخ أمون" هو إصابته بمرض الملاريا ومضاعفات كسر في الساق، كما أشارت إلى احتمال موته بمرض وراثي ناتج عن خلل جيني بالعائلة.

دراما الاكتشاف

ويوم 4 نوفمبر/تشرين الثاني 1922 تغير تاريخ علم المصريات بشكل جذري، مع اكتشاف مقبرة الملك "توت عنخ أمون" بمدينة الأقصر جنوب مصر.

واستغرق تنظيف المقبرة وجرد محتوياتها 10 سنوات، وشاهد العالم في دهشة أهم ما أنتجته الدولة الفرعونية الحديثة، التي تعد العصر الذهبي للإمبراطورية المصرية القديمة (1550-1327 ق م).

غير أن اكتشاف المقبرة أثار حالة من الجدل العالمي بعد أن توفي 22 شخصا ممن شاركوا في اكتشافها بظروف غامضة، على رأسهم اللورد كارنافون (ممول عملية الاكتشاف) وأول من وطئت قدماه المقبرة المكتشفة، مما عزز اعتقاد كثيرين حول ما يسمونه "لعنة الفراعنة".

وعام 2022 مر قرن على اكتشاف أهم مقبرة فرعونية بالعصر الحديث، لما ضمته من كنوز وأسرار ثمينة، وهي أول مقبرة يجري اكتشافها على هيئتها الكاملة من دون أن تمس من لصوص على مدار الحقب الزمنية المتوالية.

إذ ضمت أكثر من 5 آلاف قطعة أثرية من الذهب الخالص، و3 توابيت بداخل أحدها مومياء الملك المحنطة، وترجع أهمية هذا الاكتشاف إلى أنه أعطى صورة كاملة عن حياة المصري القديم، من ملابس وطعام وأثاث وأسلحة وآلات موسيقية، وزينت جدران المقبرة بنصوص من كتاب الموتى لدى المصري القديم.

المصدر : الجزيرة + مواقع إلكترونية