الشيخ فرحان السعدي.. المقاوم الذي نجا من الاغتيال ولم ينج من الإعدام

عندما حاصرت قوات الانتداب البريطاني أحراش قرية يَعبَد جنوبي مدينة جنين، وقتلت الشيخ عز الدين القسام في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 1935، ظنّت أن معه ساعده الأيمن الشيخ فرحان السعدي، لكنه أفلت من الاغتيال ليقود لاحقا مشروعه النضالي وهو على مشارف الثمانين من عمره. وفيما يشبه الانتقام، حوكم عسكريا وأعدم في 27 نوفمبر/تشرين ثاني 1937، بعد 5 أيام من اعتقاله.

المولد والنشأة

ولد القيادي والمقاوم الفلسطيني الشيخ فرحان أحمد إبراهيم السعدي عام 1858، لعائلة من أصول حجازية في قرية المَزار التي ظلت حتى عام 1948 تابعة لمدينة جنين، لكنها أصبحت بعد النكبة ضمن الأراضي المحتلة عام 1948.

تلقى السعدي تعليمه في الكُتّاب، ودرس الابتدائية في مدرسة جنين، كما كان ميالا لحضور حلق المساجد ودروسها، فحفظ القرآن الكريم، وأضفت عليه النشأة الدينية احتراما، ومنها أصبح يدعى بـ"الشيخ فرحان".

درّبه جده إبراهيم على الرماية وركوب الخيل، وأغنى ثقافته بشأن واقع فلسطين وتاريخها وأهلها وعلاقاتها.

عمل السعدي مزارعا قبل التحاقه بالجيش العثماني (الدَّرك)، وشارك مع العثمانيين في الحرب العالمية الأولى، ومع ذلك كان معارضا لسياسات والي جنين العثماني حافظ باشا.

عمل إماما بعد انتهاء الحرب لمسجد في مدينة بيسان، بعد أن رُحِّل العرب منها في حرب 1948.

بعد الانتداب البريطاني لفلسطين، عمل السعدي ضابطا في شرطة اللواء الشمالي برتبة عريف، وعرف أثناء تلك الفترة بعلاقاته الواسعة مع أبناء المنطقة.

نشأ مناضلا مناهضا لـ"ظلم" سياسات والي جنين العثماني، ومشاركا في الفعاليات المناهضة للانتداب البريطاني، ومعروفا بـ"الشجاعة".

رحلة النضال والمقاومة

بدأت المقاومة الفعلية بعد اندلاع ثورة البراق 1929، فاستقال السعدي حينها من منصبه في شرطة لواء الشمال، وشكل مجموعة من المقاومين في جنين.

ثم شكلت مرافقته لعز الدين القسام شخصيته النضالية، وعلى يدي القسام فهم السعدي حقيقة الانتداب البريطاني، وأصبح أكثر احترافية في تنفيذ المهام الميدانية.

شارك السعدي رحلة القسام ودعواته للجهاد والثورة في أرياف فلسطين، وعمل على جمع السلاح وتدريب عناصر المقاومة في الجبال القريبة من المزار، لكنه اعتقل إبان ثورة البراق وأمضى 3 سنوات بين سجني عكا ونور شمس.

بعد الإفراج عنه، بدأ السعدي مشواره الكفاحي مع الشيخ عز الدين القسام، وانضم مجاهدا تحت لوائه وكان أول لقاء بينهما في جامع الاستقلال بمدينة حيفا.

نجا السعدي من الاغتيال لأنه كان في مهمة كلفه بها القسام، وفق عدد من المصادر التاريخية، وبعد استشهاد القسام حمل السعدي لواء المقاومة.

كان السعدي من المبادرين لإطلاق شرارة ثورة 1936، وذلك بإطلاقه النار على قافلة يهودية في طريق نابلس طولكرم شمالي الضفة يوم 5 أبريل/نيسان 1936.

كما يعد مطلق شرارة ثورة 1937، باستهداف الجنرال البريطاني أندروز في 9 سبتمبر/أيلول 1937، والتي كثفت بريطانيا بعدها ملاحقته.

وقال الباحث الفلسطيني يزيد سليمان -في حديثه للجزيرة نت، استنادا إلى صحف فلسطينية كانت تصدر آنذاك- إن "الشهيد نفذ عدة كمائن أدت إلى ملاحقته"، ومن خلال قراءته لسيرة الرجل أضاف "فرحان السعدي كان مكملا لمسيرة الشيخ عز الدين القسام".

من أشهر عمليات السعدي ورجاله عملية وقعت على أراضي قرية "الفَندقُومية" بين نابلس وجنين في 30 يونيو/حزيران 1936، وأدت إلى مقتل أكثر من 30 جنديا بريطانيا، واستشهاد 3 من الثوار.

اعتقاله وإعدامه

حوصر السعدي في قريته "المزار" غربي جنين، وتوسط مختار القرية عند السعدي لتسليم نفسه تفاديا لهدم بيوتها وحفاظا على أرواح السكان، فسلم السعدي نفسه مع 3 من رفاقه في 22 نوفمبر/تشرين الثاني 1937 ونقل إلى سجن عكا، وهناك حوكم محاكمة شكلية حضرها إعلام دولي ومحلي، تقرر فيها إعدامه شنقا في سجن عكا.

كانت محاكمة السعدي التي أجريت في عكا عاجلة لم ينظر فيها لأقوال محامي الدفاع، وفي أقل من 5 أيام صدر ونفذ حكم الإعدام في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 1937 الموافق 14 رمضان 1356 للهجرة، ودفن بقرية النورس.

كانت تهمة السعدي حيازة السلاح، وكان القانون البريطاني آنذاك يقضي بتنفيذ حكم الإعدام في كل من تثبت حيازته للسلاح أو الذخيرة.

***فقط للاستخدام الداخلي*** فلسطين-صحف فلسطينية صادرة عام 1937 تتحدث عن إعدام فرحان السعدي مراقع التواصل
حظي فرحان السعدي بمكانة رفيعة بين أبناء بلدته، وصار ملهما للمقاومين والمناضلين (مواقع التواصل)

الأثر النضالي

يعتبر السعدي من أوائل من أطلقوا الرصاصات الأولى في الثورة الفلسطينية المعاصرة، ولم يكتف بأن يكون قائدا منظرا بل كان مشاركا في التخطيط والتنفيذ الميداني.

كان السعدي قائدا نشطا "محبوبا وصادقا" رغم تقدم سنه، يستهدف قيادات في عملياته، منهم حاكم الجليل البريطاني أندروز، وكان من أبرز الأسماء التي تصدت للانتداب ومحاولات توطين اليهود في فلسطين.

ورغم العنفوان الذي تبع إعدام السعدي، فإن عوامل عدة أدت إلى ضعف الثورة الفلسطينية آنذاك، أبرزها الضغط البريطاني واستهداف عصبة المقاومين والمجاهدين وتشديد العقوبات على من يحتضنهم.

ويعتبر السعدي ثائرا ملهما وقدوة لكثير من أسرى شهداء عائلته "السعدي"، والتي قدمت 28 شهيدا منذ 1990 حتى الآن، فضلا عن آلاف المعتقلين في السجون الإسرائيلية.

ومن آخر شهداء العائلة، الشاب محمود السعدي (18 عاما) الذي قتله رصاص الإسرائيليين في اقتحام جنين يوم 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2022.

ويقول عنه عز الدين بن المقاوم السجين بسام السعدي إنه حظي بمكانة رفيعة شمالي الضفة الغربية، وكان "صاحب كلمة وهَيْبة، ومن أبرز وجوه الإصلاح، فلا يعقد صلح إلا بحضرته".

المصدر : الجزيرة