زنجبار.. ثاني أكبر جزيرة في أفريقيا

أرخبيل مشكل من مجموعة جزر (52 جزيرة) وسط مياه المحيط الهندي، تابعة لتنزانيا شرق أفريقيا، لكنها تتمتع بحكم ذاتي موسع. عرفت زنجبار أو زنزبار (حسب اللغة المحلية) عند قدماء الإغريق والرومان باسم منوثياس، واشتهرت بكونها جزيرة التوابل والقرنفل.

استوطنها خليط من الجنسيات والحضارات والثقافات، وحكمها العرب لوقت غير قصير، فاجتمعت فيها الحضارة الأفريقية بالعربية والهندية والأوروبية والفارسية. وصفت بأنها جنة منسية، و"أندلس أفريقيا"، ومكان سياحي ساحر.

الموقع

تقع زنجبار -وعاصمتها مدينة زنجبار- في المحيط الهندي، على بعد 35 كلم قبالة ساحل شرق وسط أفريقيا. انضمت -مع جزيرة بيمبا وجزر أخرى أصغر سنة 1964- إلى تنزانيا، وتقدر مساحتها بـ2461 كيلومترا مربعا، وتعد ثاني أكبر جزيرة في أفريقيا بعد مدغشقر.

موقعها الإستراتيجي جعلها عرضة للاحتلال وهدفا لعدد من الدول الاستعمارية للهيمنة على حركة النقل في الساحل الشرقي لأفريقيا، حيث شكلت مركز تجاريا إستراتيجيا على مدى أكثر من ألف عام.

المناخ

يغلب على مناخ الجزيرة الطابع الاستوائي والرطوبة، إذ تنخفض درجات الحرارة في فصل الصيف لتعرضها لنسائم البحر القوية المرتبطة بالرياح الموسمية الشمالية الشرقية، وخاصة في السواحل الشمالية والشرقية من الجزيرة.

ويغلب الدفء على أجزاء الجزيرة القريبة من خط الاستواء معظم شهور السنة، وتتميز شهور مارس/آذار وأبريل/نيسان ومايو/أيار بهطول كثيف للأمطار مصحوب برياح موسمية جنوبية غربية. وتهطل الأمطار بشكل خفيف بين شهري أكتوبر/تشرين الأول وديسمبر/كانون الأول.

ساعد هذا المناخ في توفير غطاء نباتي متنوع، تغلب عليه أشجار جوز الهند ونباتات أخرى، منها القرنفل والقرفة وغيرها، وكذلك وجود أنواع متعددة من الحيوانات البرية.

السكان

تعرف الأجزاء الجنوبية والشرقية من الجزيرة كثافة سكانية، وتعدّ مجموعة الهاديمو ومجموعة تومباتو من الوافدين الأوائل إلى زنجبار خلال القرن التاسع عشر، لكنهم تعرضوا للمصادرة والإخلاء من الأجزاء الغربية للجزيرة -التي تعد أكثر خصوبة- من طرف وافدين جدد من بينهم العرب والمستعمرون الأوروبيون، وتعتبر مدينة ستون تاون (مدينة الحجر) من أقدم المناطق السكنية بالجزيرة، ويبلغ عدد سكانها 900 ألف شخص.

يتحدث أغلب سكان الجزيرة اللغة السواحيلية، ويتكلم العلماء والوافدون حديثا من الجزيرة العربية باللغة العربية، وتوجد إلى جانبها لغات أخرى لدى المنحدرين من آسيا كاللغة الغوجاراتية والهندية والأوردو والكونكانية، وتبقى اللغتان السواحيلية والإنجليزية هما الأكثر استعمالا في الجزيرة.

دخل الإسلام الجزيرة في القرن الأول الهجري، واختلفت الروايات بشأن بداية وصوله إليها بين سنتي 65 و74 هجرية، لكن دراسات تاريخية ذكرت أن دخول الإسلام الجزيرة تم مع أول هجرة عُمانية عربية إلى الساحل الأفريقي.

ويبلغ عدد سكان الجزيرة نحو 1.5 مليون، ويشكل المسلمون 98% منهم، يتعايشون مع أقليات مسيحية وهندوسية وسيخ.

جزيرة زنجبار تشتهر بالزراعة لخصوبة أراضيها (رويترز)

التاريخ

يعود تاريخ الجزيرة إلى عصور ما قبل التاريخ بحسب أدوات حجرية استخرجت عام 2005 من كهف "كومبي" (Kuumbi)، بينما تقول بعض الكتابات التاريخية إن السكان الأوائل للجزيرة أو الأرخبيل من جماعات "البانتو" العرقية، عبروا إليها من شرق أفريقيا بعد حوالي ألف عام من الميلاد، والعرب والفرس الذين نزلوا بها لاحقا في القرن العاشر الميلادي.

طبيعة الجزيرة وموقعها المتميز جعلها ممرا ومركزا مهما للتجار، وهدفا للمهاجرين كما هو الحال مع العرب وخاصة من عمان، وللمستعمرين الأوروبيين، حيث وصل إليها المستكشف البرتغالي فاسكو دي غاما عام 1499، وباتت بعد ذلك جزءا من الإمبراطورية البرتغالية، حيث نجح الأسطول البحري البرتغالي بقيادة فرانسيسكو دي ألميدا بعملية الإنزال في سواحل زنجبار عام 1505.

وذكرت بعض المؤلفات التاريخية أن البرتغاليين أحرقوا منازل السكان ونهبوها، واستولوا على جميع الموانئ البحرية على الساحل الأفريقي الشرقي. لكن العمانيين استثمروا طلب أهالي زنجبار نجدة السلطان العماني عام 1694 من البطش البرتغالي لطردهم من الجزيرة عام 1696، وأصبحت تحت حكم سلطنة عُمان رسميا عام 1698، لتعزز بعدها حركات التجارة المتبادلة بين الخليج العربي وإيران والهند وجزر زنجبار التي كانت تعرف حينها بساحل "الزنج".

ونقل سلطان عمان سعيد بن سلطان لاحقا (1840) عاصمته من مسقط إلى زنجبار، وبعد عقدين من الزمن استقلت زنجبار عام 1861 عن عمان وأصبحت سلطنة مستقلة، غير أن بريطانيا سيطرت على معظم أراضي زنجبار بالبر الأفريقي، وأعلنت عام 1891 بقايا السلطنة في زنجبار محمية بريطانية، وقلَّصت سلطات ونفوذ السلطان وتحكمت فيه.

وبقيت الحال على هذا المنوال إلى أن حصلت السلطنة على استقلالها عام 1963، وباتت عضوا في الكومنولث البريطاني، لكن تمردا وانقلابا يساريا دمويا بإيعاز من قوى استعمارية -راح ضحيته أكثر من 12 ألفا من العرب والهنود القاطنين بالجزيرة، وصودرت ممتلكاتهم ونفي آلاف آخرون- أطاح بالسلطنة في يناير/كانون الثاني 1963 وأسس جمهورية، ليوقع لاحقا رئيس زنجبار وتنجا نيقا قانون اتحاد بين البلدين، وتم إنشاء تنزانيا عام 1964، وإنهاء حكم العرب في الجزيرة.

التجارة والاقتصاد

نظرا لموقعها الجغرافي، شكلت الجزيرة قوة بحرية متميزة، واستخدمها التجار قاعدة لرحلاتهم بين شبه الجزيرة العربية والهند وأفريقيا. وتمت المتاجرة في مختلف البضائع التي تصل إلى الصين والهند وأوروبا، ومنها التوابل الثمينة كالقرنفل والقرفة وجوز الطيب وجوز الهند والأرز، وكذلك الذهب والعاج وغيرها من البضائع.

وشكلت تجارة العبيد جرحا غائرا في ذاكرة أهل الجزيرة، وتحدثت بعض الكتابات التاريخية عن أسر آلاف من سكان المناطق الأفريقية المجاورة وبيعهم والتنكيل بهم على أرض الجزيرة، فضلا عن تحولها لمركز استقبال تجار العبيد من أوروبا وأميركا، وكان يمر بها نحو 50 ألف "عبد" كل عام.

ولم تلغَ تجارة الرق في زنجبار إلا في عام 1876. وقد مكن النشاط التجاري من زيادة ثروة الجزيرة، حيث أصبحت ستون تاون واحدة من أغنى وأكبر المدن في شرق أفريقيا.

ويعتمد اقتصاد الجزيرة على صيد الأسماك، إذ تُشغل المصايد عُشر السكان، كما تعتمد على الزراعة مستفيدة من خصوبة التربة والمناخ المساعد على إنتاج محاصيل استوائية متنوعة كالقرنفل وجوز الهند والأرز والفاكهة الاستوائية.

معالم وسياحة

تزخر الجزيرة بمعالم تاريخية، ومنها أقدم مسجد في نصف الأرض الجنوبي، ورغم صغر مساحتها، فإنها تضمّ 300 مسجد من بينهما مساجد كيزيمكازي الناطقة بتاريخ عريق لأندلس أفريقيا كما يصفونها، قبل أن يمحو الاستعمار المعالم الإسلامية وينكل بالمسلمين ويمحو هويتهم.

ومن الآثار قصور شيدها السلطان سعيد بن سلطان البوسعيدي، كقصر بيت الساحل، وقصر المتوني باعتباره أقدم وأكبر القصور في الجزيرة حينها، بالإضافة إلى قصر السلطان برغش الفاخر الذي بناه على أعمدة ضخمة من الحديد، وتحيط به من جهاته الأربع الشُّرَف المزينة بآيات من القرآن الكريم مكتوبة بماء الذهب، وكذا قصر ماروهوبي.

وساعد مناخ الجزيرة وشواطئها في جعلها من أهم المناطق السياحية، وقبلة للسياح من مختلف دول العالم، كما ساعد على بناء منتجعات عالمية.

ومن أهم الوجهات السياحية جزيرة بمبا، الثانية من حيث الحجم والمساحة في مجموعة جزر زنجبار، وحديقة جوزاني تشواكا باي الوطنية، وهي محمية طبيعية تشكل وجهة سياحية لتجربة الأدغال الأفريقية.

وتعد مدينة ستون تاون من بين مواقع التراث العالمي المدرجة في تصنيف اليونسكو، لأنها الجزء التاريخي القديم من زنجبار على الساحل الغربي للجزيرة، وتزخر بمواقع تاريخية وآثار قديمة.

المصدر : الجزيرة + مواقع إلكترونية