البرلمان العالمي للأديان.. منصة عالمية تشاركية بين الديانات

برلمان أديان العالم منظمة غير حكومية مقرها مدينة شيكاغو بالولايات المتحدة، تأسس سنة 1988 بهدف إنشاء "منصة عالمية تشاركية" بين ديانات الشرق والغرب.

جاء في ديباجته التأسيسية أنه يسعى إلى "تحقيق التوافق والتفاهم بين المجتمعات الدينية لأجل خدمة القضايا الحرجة في مختلف أنحاء العالم" ويسعى إلى "تعزيز الحوار حول المشكلة البيئية، وتمكين المرأة والحد من العنف والكراهية بين المجتمعات".

النشأة والتأسيس

تعود فكرة البرلمان إلى سنة 1893 أثناء التحضير لمعرض شيكاغو العالمي، ويسمى أيضا المعرض الكولومبي الذي كان سيحتفل آنذاك بالذكرى رقم 400 لاكتشاف كريستوف كولومبوس قارة أميركا.

وهناك قدم جون هنري باروز (رجل دين أميركي من الكنيسة المشيخية) فكرته الخاصة بمؤتمر الأديان إلى المعرض، فأصبح رئيس اللجنة العامة للبرلمان.

أطلق على اللجنة التحضيرية اسم "نجمة الصباح في القرن العشرين" وأرسل 10 آلاف دعوة داخل أميركا وخارجها.

رفض رئيس أساقفة كانتربري الحضور لاعتقاده على حد تعبيره أن "الدين المسيحي هو الدين الحقيقي الوحيد" كما رفض السلطان العثماني عبد الحميد الثاني السماح للشيوخ المسلمين بالحضور لأن فكرة البرلمان مرتبطة بالتنصير.

عرض معرض شيكاغو العالمي مختلف ابتكارات أميركا وانتصاراتها التكنولوجية من محركات وهواتف ومصابيح كهربائية، وعُقدت ضمن فعالياته مؤتمرات عالمية حول الطب والهندسة وتقدم المرأة، مما جعل مؤسس البرلمان جون هنري باروز يصرح بأن الكثيرين "يؤكدون أن الدين هو عنصر من عناصر الخلاف الدائم.. ولكن هناك شعورا أن اتجاهات الحضارة الحديثة تدفعنا نحو الوحدة، لذا أعتقد أن برلمان الأديان ضرورة العصر".

تعرض المؤتمر لانتقادات كبيرة، أهمها هيمنة المصطلحات والمواضيع المسيحية عليه، والغياب النسبي للمجموعات المسيحية الأميركية من أصل أفريقي. وانتهى بجدل كبير بسبب شعور ممثلي المعتقدات غير المسيحية بأن البرلمان كان يدعو في عمقه إلى سيادة الدين المسيحي.

حاول بعض المشاركين الحفاظ على الرؤية العالمية وعلى اللقاء، فجاء اجتماع بوسطن سنة 1900 باسم الرابطة الدولية للحرية الدينية، وبعد حربين عالميتين وصراع دولي محتدم، في القرن العشرين، عاد البرلمان مرة أخرى في ذكراه المئوية سنة 1993 وعاود تنظيم هيكله وأفكاره.

Parliament of the World’s Religions الصورة من موقعهم الرسمي
مؤتمر البرلمان العالمي للأديان بمدينة برشلونة الإسبانية صيف 2004 (الموقع الرسمي لهذا البرلمان)

أهداف البرلمان

تركز الرؤية العامة للبرلمان على:

  • الدعوة إلى العيش بسلام وفي عالم أفضل من خلال استغلال ثروة المجتمعات الدينية والروحية والمتمثلة في الحكمة والرحمة.
  • استبدال المخاوف الدينية والثقافية والكراهية بالتفاهم والاحترام، ودعوة الناس في كل مكان إلى التعرف إلى جيرانهم والاعتناء بهم.
  • الثراء والتنوع الديني لا يمكنه أن يعيش بعيداً عن النسيج المدني والاجتماعي للعالم.
  • وجوب تجاوز المصلحة الضيقة لتحقيق الصالح العام.
  • الاعتزاز بالأرض وكل أشكال الحياة عليها والسعي نحو حمايتها واستعادتها.

المقر والهيكلة

يقع المقر الرئيسي لمجلس برلمان أديان العالم في شيكاغو، ويتكون مجلس أمنائه من 25 عضوا من مختلف الديانات، فاعلين في المجتمع الدولي ومناصرين للأخلاق العالمية.

ويتكون المجلس الإداري من رئيس البرلمان العام، رئيس مجلس الإدارة، نائب أول لرئيس مجلس الإدارة ونائب ثان، أمين صندوق، أمين سر مجلس الإدارة.

وتنقسم دوائر العمل داخل البرلمان إلى:

دائرة العمل المناخي

بدأ العمل بهذه الدائرة بعد عام 2015 نتيجة للتغيرات المناخية التي شهدها العالم، وبتوجيه من وثيقة أخلاق العالم، وتسعى إلى إيجاد حوار عالمي حول المناخ بعيدا عن الرؤية العلمية.

وتعمل على تقديم بيانات للمناخ من أجل التوعية بما يسببه الإنسان من ضرر للكوكب، ووثائق توجيهية على غرار دليل الإيمان من أجل الأرض، والحق في بيئة صحية.

دائرة الأخلاق العالمية

تعمل دائرة الأخلاق العالمية وفق ما جاء في بيان شيكاغو 1993، والذي يوضح أن الأخلاق العالمية هي بيان الالتزامات الأخلاقية الأساسية التي يتقاسمها الناس في جميع أنحاء العالم، سواء أكانوا متدينين أم لا.

ويتمحور دورها في تقديم وترتيب قواعد ملزمة لنبذ العنف والكراهية الدينية والعرقية، ورفض اضطهاد النساء والأقليات وتطرف أصحاب الثروة، والفقر والتهديد المتزايد لتغير المناخ وتدمير العالم الطبيعي، مع القناعة بعدم جدوى القوانين والتشريعات الردعية ما لم تكن هناك تغيرات على مستوى عقول الناس وأساليب عيشهم.

دائرة السكان الأصليين

كانت مشاركة السكان الأصليين في مختلف مؤتمرات البرلمان واضحة، وتشمل أكثر من 50 من مجتمعات السكان الأصليين عبر العالم.

ويتلخص سعي هذه الدائرة في حماية المواقع المقدسة وجميع أشكال الحياة المتبقية، لما تحمله من عمق روحي وإرث حقيقي لطبيعة الإنسان الأولى.

دائرة الجيل القادم

يركز فريق عمل هذه الدائرة على إشراك الشباب لا سيما صانعي التغيير وحاملي القضايا العادلة باختلاف معتقداتهم وأعراقهم من أجل التعاون، وتطوير برامج تخص رفع أصواتهم، كما يعمل أغلبهم في تنفيذ حملات وبرامج البرلمان.

دائرة السلام والعدل

تعتمد على خبرات سابقة في مجال العدالة للعمل في مكافحة الحرب والعنف والكراهية، لمحاولة إحداث التغيير في عملية فهم العدالة في العالم المعاصر من جهة، والعمل من جهة أخرى على توفيق الاختلافات بين نظرية وممارسة العدالة والسلام.

دائرة كرامة المرأة

يحتل موضوع تمكين المرأة صدارة عمل هذه الدائرة، من خلال تشجيع العمل الفردي والجماعي لتعزيز كرامة وحقوق النساء.

ويعتمد على الوثيقة التأسيسية للبرلمان نحو أخلاقيات عالمية، وإعلان كرامة المرأة وحقوق الإنسان للمرأة، وكذا الإعلان الدولي للقادة الروحيين والقادة الدينيين المدافعين عن إنهاء العنف الجنسي.

العضوية والتمويل

يعتمد التمويل على اشتراكات أعضاء البرلمان -وهي اشتراكات سنوية- وعلى هبات وتبرعات الأشخاص المختلفة، كما يحصل على تمويل سنوي من منظمات داعمة حكومية وغير حكومية تشتغل في مجالات متقاربة مثل البيئة وتمكين المرأة والعدالة والسلام.

المؤتمرات

مؤتمر شيكاغو.. الولايات المتحدة 1993

بعد 100 عام تغير العالم وأصبحت أميركا في حد ذاتها بلدا متعدد الأديان، كما تبدلت التحديات بحيث قدمت السياسات الوطنية والعلاقات الدولية الجديدة -عبر قرن من الزمن- رؤية جديدة للانتماء.

وأصبح النظر للأديان وفق تركيز عام على مدى المساهمات الإيجابية التي يمكن أن تقدمها المجتمعات الدينية، وعلى الدعوة الأخلاقية التي توحد التقاليد الدينية المختلفة بطريقة ملموسة.

ترأس عمدة شيكاغو ريتشارد دالي المؤتمر بحضور 8 آلاف شخص، وخرج المؤتمر بوثيقة "نحو أخلاق عالمية: إعلان أولي".

مؤتمر كيب تاون.. جنوب أفريقيا 1999

استضافت مدينة كيب تاون بجنوب أفريقيا المؤتمر الثاني للبرلمان سنة 1999، وحضره أكثر من 7 آلاف مشارك، وتحددت رؤية المؤتمر بشكل أوضح.

خلص المؤتمر إلى ضرورة العمل على تحسين الحياة الإنسانية، وليس مناقشة فروق وتقاربات العقائد المختلفة من خلال الوثيقة الجديدة الموسومة "دعوة توجيهية إلى المؤسسات الدولية والمجتمع المدني إلى التفكير في أدوات عملها على ضوء الأخلاق العالمية".

مؤتمر برشلونة.. إسبانيا 2004

انعقد مؤتمر برشلونة بالشراكة مع المنتدى العالمي للثقافات وبالتعاون مع مركز اليونسكو في كتالونيا، بشعار "مسارات إلى السلام، حكمة الاستماع، قوة الالتزام" وبمشاركة الطلاب والشباب من مختلف أرجاء العالم.

مؤتمر ملبورن.. أستراليا 2009

في مؤتمر ملبورن بأستراليا برزت إلى الواجهة المشكلة البيئية، وبحضور 6 آلاف مشارك من كافة أنحاء العالم، كان شعار المؤتمر الأبرز هو "اصنعوا عالما مغايرا: سماع بعضنا البعض هو شفاء الأرض".

وشارك السكان الأصليون بأستراليا في محاولة لإعادة استلهام الطبيعة الإنسانية الأولى.

مؤتمر سالت ليك.. ولاية يوتا الأميركية 2015

حمل المؤتمر شعار "استعادة قلب الإنسانية" بمشاركة 10 آلاف شخص من 70 دولة يمثلون 50 معتقدا دينيا، من بينهم زعماء دينيون ومفكرون وحائزون على جائزة نوبل للسلام وناشطون بمجال البيئة.

وكان من ضمنهم الدلاي لاما، كارين أرمسترونغ، طارق رمضان، فاندانا شيفا، الحاخام لين جوتليب، الشيخ صالح عبد الله بن حميد (عضو هيئة كبار العلماء بالسعودية) الذي أهدى البرلمان قطعة من غطاء الكعبة المشرفة.

مؤتمر تورنتو.. كندا 2018

بمشاركة 8300 شخص من 81 دولة، حمل مؤتمر تورينتو شعار "قوة الحب: التطلع إلى التفاهم العالمي والمصالحة والتغيير".

وأكد المشاركون على قضايا المناخ بشدة وعلى نبذ خطاب الكراهية، كما جددوا العمل بمختلف الوثائق السابقة الصادرة عن البرلمان.

المؤتمر الافتراضي 2021

استجابة لمعايير السلامة المعمول بها في خضم وباء كوفيد-19، عقد مؤتمر سنة 2021 افتراضياً، حيث فُتحت منصة الحوار لـ 48 ساعة وعرفت تسجيل أكثر من 4 آلاف مشاركة.

واستضافت خلالها 3 ندوات إقليمية جمعت كافة المنظمات والشخصيات المشتركة في البرلمان على رأسهم البابا فرانشيسكو.

وقدموا للعالم تعازي ضحايا الفيروس، في محاولة لتخفيف الحزن وتبادل رسائل الأمل والدعوة إلى ما سموه "العمل الرحيم".

المصدر : الجزيرة + مواقع إلكترونية