كيف دفع نفط فنزويلا إدارة بايدن لتخفيف العقوبات الأميركية؟

واشنطن- للمرة الأولى منذ سنوات، تمكنت السلطة والمعارضة في فنزويلا يوم السبت الماضي من تحقيق اختراق مهم في المفاوضات بينهما، والتي تحتضنها المكسيك، مع توصلهما إلى اتفاق مبدئي حظي بترحيب الولايات المتحدة سمحت على أثره في نفس اليوم لشركة "شيفرون" النفطية باستئناف عملها في البلاد الخاضعة للعقوبات.

وجمعت واشنطن علاقات متوترة بفنزويلا عقب وصول هوغو شافيز، الرئيس الاشتراكي السابق للحكم عام 1999، وبعد وفاة شافيز عام 2013، ارتقى سلم الحكم خلفه ومساعده الأهم نيكولاس مادورو.

وخلال كل هذه السنوات، سيطر الحزب الاشتراكي الموحد (PSUV)، الذي أسسه شافيز على العديد من المؤسسات الرئيسية بما في ذلك أغلب السلطة القضائية والمجلس الانتخابي والمحكمة العليا.

وشهد عهد الرئيس مادورو، المستمر منذ 2013، انهيارا كبيرا لاقتصاد فنزويلا، وأصبح النقص في الإمدادات الأساسية هو الوضع الطبيعي، وهو ما دفع أكثر من 7 ملايين شخص إلى مغادرة البلاد.

بارقة أمل في طريق طويل

أُعيد انتخاب مادورو في عام 2018 لفترة حكم تمتد لـ6 سنوات، لكن الانتخابات رُفضت على نطاق واسع باعتبارها مزورة. واعتراف واشنطن، والعديد من الدول الغربية، بزعيم المعارضة خوان غوايدو رئيسا مؤقتا في عام 2019.

وفرضت الولايات المتحدة عقوبات على مادورو ودائرته المقربة، وصناعة النفط الفنزويلية، مما ضاعف من تدهور الأوضاع الاقتصادية، وأصبح من الصعب الحصول على الوقود والعملات الأجنبية.

وبوساطة من النرويج، نجحت الحكومة الفنزويلية والمعارضة، في التوصل لاتفاق يهدف إلى ضمان الإفراج تدريجيا عن مليارات الدولارات المجمدة في الخارج من قبل صندوق تديره الأمم المتحدة، ليتم توجيهها إلى الرعاية الصحية والتعليم والمساعدات الغذائية.

فقبل أيام، وقّعت الحكومة الفنزويلية والمعارضة اتفاقا مبدئيا لإيجاد مخرج من الأزمة السياسية في البلاد.

وخلال المحادثات التي استضافها مدينة مكسيكو سيتي، عاصمة المكسيك، أصدر الطرفان بيانا مشتركا طلبا فيه الإفراج عن مليارات الدولارات المجمدة في الخارج للمساعدة في تمويل المشاريع الاجتماعية.

وردا على ذلك التقدم، قالت إدارة الرئيس جو بايدن إنها ستسمح لشركة النفط الأميركية شيفرون باستئناف بعض النشاط في فنزويلا، بما في ذلك استيراد الخام الفنزويلي للولايات المتحدة.

وشهدت فنزويلا دوامات من الانهيار الاقتصادي مع تزايد الاستياء السياسي الذي يغذيه التضخم المفرط المرتفع وانقطاع التيار الكهربائي ونقص الغذاء والدواء، وعلى مدى العقد الماضي تقلص الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 70%، وغادر حوالي 7 ملايين شخص، أو ربع سكان البلاد.

ولم تنجح العقوبات الأميركية والغربية إلا في ترسيخ قدرة النظام الفنزويلي، ومع استمرار دعم الجيش للرئيس مادورو، الذي أبقى اقتصاد فنزويلا، بالكاد واقفا على قدميه، من خلال بيع النفط للصين وحلفاء آخرين، ودفعت تداعيات حرب روسيا على أوكرانيا، والحظر المفروض على واردات النفط الروسية، الولايات المتحدة إلى البحث عن مصادر جديدة للطاقة.

وأعلنت وزارة الخزانة الأميركية أنها ستأذن لشركة النفط العملاقة، شيفرون، باستئناف عملياتها النفطية المحدودة في فنزويلا بعد أن أعلن نظام مادورو والمعارضة السياسية استئناف المحادثات في المكسيك.

وجاءت هذه الخطوة متوقعة بعد أن ناقشت إدارة بايدن تخفيف العقوبات في وقت سابق من هذا العام عندما تم إرسال وفود رسمية إلى كراكاس، عاصمة فنزويلا، للتفاوض على صفقة تبادل للسجناء أطلقت بمقتضاها 7 أميركيين.

ماذا يعني تخفيف العقوبات عن فنزويلا؟

ومن شأن تخفيف العقوبات أن يساعد فنزويلا على إعادة بناء صناعتها النفطية والسماح لنفطها الخام بالبدء في التدفق إلى الأسواق العالمية مرة أخرى، بما في ذلك الولايات المتحدة، التي كانت المشتري الأول من نفط فنزويلا.

وتملك فنزويلا أكبر احتياطيات مؤكدة من النفط في العالم، وكانت تستخدم ما يقرب من 3 ملايين برميل من النفط يوميا قبل فرض العقوبات الأميركية وانخفض هذا الرقم ليصل فقط إلى 534 ألفا في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

وإطلاق قطاع النفط سيساعد في إنعاش اقتصاد فنزويلا المتدهور، والذي تقلص بنحو الثلثين بين عامي 2014 و2020 بسبب الفساد وسوء الإدارة والعقوبات، والاقتصاد المتنامي، بدوره، سيعزز حظوظ الرئيس مادورو السياسية إذا ترشح للرئاسة مرة أخرى في عام 2024.

وسيؤدي الرفع التدريجي للعقوبات لضخ المزيد من النفط الفنزويلي في السوق العالمية، وهو هدف رئيسي وسط صدمة الطاقة الناجمة عن غزو روسيا لأوكرانيا، كما يمكن أن يساعد إعادة الانخراط الأميركي في إضعاف النفوذ المتزايد لروسيا والصين في فنزويلا.

ويمكن أن يساعد المزيد من تخفيف العقوبات في تحسين اقتصاد فنزويلا والحد من تدفق المهاجرين الفنزويليين إلى الخارج، وخاصة الولايات المتحدة، وذكر تقرير حديث للأمم المتحدة أن عدد اللاجئين الفنزويليين وصل إلى أكثر من 7.1 ملايين لاجئ منذ التوترات السياسية والاقتصادية التي شهدتها البلاد منذ عام 2018.

ويبلغ متوسط الأجور الشهرية حاليا في فنزويلا حوالي 25 دولارا، فيما يبلغ سعر سلة من السلع التي تغطي الاحتياجات الشهرية لأسرة مكونة من 4 أفراد حوالي 370 دولارا في نهاية سبتمبر/أيلول، وفقا لمرصد التمويل الفنزويلي غير الحكومي.

الرخصة الأميركية لشركة شيفرون

دفعت أنباء إصدار ترخيص واشنطن لشركة شيفرون لاستئناف إنتاج النفط في فنزويلا، إلى ارتفاع قيمة السندات الفنزويلية المتعثرة منذ سنوات.

وارتفعت قيمة سندات شركات النفط السيادية والحكومية الفنزويلية مع توقع المستثمرين استعداد إدارة بايدن لتخفيف المزيد من العقوبات والقيود عن فنزويلا.

ومن غير المرجح أن تؤدي هذه الخطوة إلى ارتفاع كبير في إنتاج النفط بصورة فورية، لكن قد تظهر هذه النتائج خلال أسابيع وأشهر مقبلة بعد ترميم وتحديث البنية الأساسية المتهالكة لصناعة النفط في فنزويلا.

ولدى شركة شيفرون 4 مشاريع مشتركة مجمدة مع شركة النفط الفنزويلية العملاقة المملوكة للدولة، ويسمح الترخيص المحدود ببدء ضخ وتصدير النفط إلى الولايات المتحدة مرة أخرى، وستوجه العائدات إلى سداد مليارات الدولارات من الديون المتراكمة التي تدين بها فنزويلا لشركة شيفرون، ويُحظر دفع أي عائد أو ضرائب إلى النظام الفنزويلي الحاكم.

ويسمح الانفتاح الغربي على فنزويلا بالتفاؤل إزاء تحرير ما يزيد على 3 مليارات دولار من أصول الحكومة الفنزويلية المجمدة حاليا في بنوك أميركية وأوروبية.

كما تشير بعض التقارير إلى امتلاك فنزويلا 20% من احتياطيات النفط المؤكدة في العالم، أي أكثر من أي بلد آخر، ولقد جعلت الحرب في أوكرانيا الجميع أكثر توترا بشأن إمدادات النفط، وبالتالي جعلت تكلفة عزل فنزويلا تبدو أعلى كثير عن ذي قبل.

وبعد عقود من سوء الإدارة والعقوبات، أصبحت صناعة النفط الفنزويلية متداعية للغاية بحيث لا يمكنها إحداث فرق كبير في أسواق النفط العالمية على المدى القصير، لكن واشنطن وغيرها تفكر في المدى الطويل.

المصدر : الجزيرة