الدرب الأحمر بمصر.. شاهد على تاريخ عريق يطاله الإهمال

حسن المصري-القاهرة

يعرف بأنه أحد أقدم الأحياء الشعبية في مصر، فالشوارع هناك لا تخلو من عبق الماضي، إنه حي الدرب الأحمر أحد أحياء القاهرة القديمة، ويقدر عمره بزهاء عشرة قرون.

ترجع تسمية الحي بهذا الاسم إلى روايات مختلفة، أبرزها أنه بسبب مذبحة المماليك التي نفذها محمد علي باشا والي مصر ضد أعدائه المماليك عام 1811، حيث يقال إن الشارع امتلأ بدمائهم بعد أن دعاهم محمد علي لوليمة كبيرة في قصره وتخلص منهم، فعُرفت المنطقة بالدرب الأحمر.

حي الدرب الأحمر من أهم الأحياء الشعبية والتاريخية في مصر وقد ظل شاهدا على تاريخ مصر خلال نحو ألف عام مضى، حيث يوجد فيه نحو 65 أثرا إسلاميا تتنوع ما بين مساجد وأسبلة وزوايا وحمامات شعبية على الطراز القديم وبيوت وقصور قديمة، تؤرخ جميعها لفترات مهمة من تاريخ مصر خلال حقبة المماليك والدولة الفاطمية والعثمانية، ولعل أبرزها شارع المعز لدين الله الفاطمي والأزهر.

كل شيء في الحي يدل على عراقة الماضي وأصالته، متمثلا في الشوارع والأزقة الضيقة التي ما تزال تحمل أسماءها منذ مئات الأعوام، بينما تتجلى العمارة بأبهى صورها في صورة أشكال وتصاميم هندسية تتميز بها المباني والعقارات الموجودة في الدرب.

يتنسم الأهالي هناك رحيق الماضي، فترى خلية نحل من الحرفيين والعمال وأصحاب الورشات الذين ما زالوا يعملون بمهن في طريقها للاندثار قد توارثوها أبا عن جد، كالمصابغ وورشات النجارة والحدادة وغيرها.

كل شيء في حي الدرب الأحمر يدل على عراقة الماضي وأصالته (الجزيرة)
كل شيء في حي الدرب الأحمر يدل على عراقة الماضي وأصالته (الجزيرة)

عراقة الماضي
بصمات الماضي تبدو واضحة كذلك في أسماء الشوارع والدروب والأزقة التي سميت تبعا لاختلاف الحرف اليدوية وتنوعها رغم تغير أسماء بعض الشوارع، فها هو شارع سوق السلاح الذي تباع فيه الأسلحة وتصان من رماح وسيوف ودروع، وهو شارع عمره أكثر من 700 عاما.

وكذلك شارع الفحامين الخاص بإنتاج الفحم وبيعه، وهناك أيضا شارع الخيامية التي كانت تصنع فيه الخيام، وشارع السروجية الذي تغير اسمه لشارع الجنكبية وفيه كانت تباع مستلزمات الخيول من سروج وحدوات وغيرها، وشارع المغربلين الذي سمي بهذا الاسم نظرا لغربلة الحبوب الخاصة بالعطارين والبائعين لتنظيفها ما فيها من شوائب هناك.

ولعل أبرز ما يبهرك هنا هو الطراز المعماري الذي تمتاز به المباني والشوارع والذي يقدر عمره بمئات السنين، في صورة زخارف وتشكيلات من الخشب والحجارة وتصاميم هندسية من الطراز الفني الإسلامي القديم.

المباني والعقارات في الحي تتميز بعمارتها ذات الطراز الإسلامي القديم (الجزيرة)
المباني والعقارات في الحي تتميز بعمارتها ذات الطراز الإسلامي القديم (الجزيرة)

غياب الاهتمام
ورغم الأهمية التاريخية للحي بشوارعه العريقة، فإن هناك حالة من الإهمال تكتنف المنطقة العريقة، بداية من غياب الاهتمام بالآثار الإسلامية وانتشار القمامة والعشوائيات والمحال التجارية والعقارات حول الآثار الإسلامية التي لا تجد من يزورها إلا في نطاق محدود.

الآثار الإسلامية والمباني التراثية تعاني من الإهمال وغياب الاستغلال الأمثل على مدى الفترة الماضية، نظرا لأنها يحيط بها الكثير من العقارات والمحال التجارية والورشات، مما يفتح الباب أمام انتشار القمامة ويعد عائق أمام دخول تلك المناطق ضمن البرامج السياحية.

ووصل الأمر إلى انتشار سرقات الآثار الإسلامية التي تمت خلال الفترة الماضية بصورة كبيرة، بحسب تصريح أستاذ الآثار الإسلامية مختار الكسباني للجزيرة نت.

ويرى الكسباني أن سرقات الآثار الإسلامية ازدادت خلال الأعوام الماضية في أعقاب الانفلات الأمني وغياب تأمين الأماكن الأثرية خلال فترة ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، موضحا أنه لا توجد ميزانية مخصصة لوزارة الآثار منذ إنشائها مثل باقي الوزارات، وهو ما يبطئ من وتيرة العمل على الترميم لمنطقة الدرب الأحمر.

وأضاف يتحد مع ما سبق وجود مبانٍ تراثية غير مملوكة ولا تتبع وزارة الآثار وإنما هي لملاك ويقطن فيها مستأجرون، مما يجعل التدخل للتصرف بها أمرا صعبا يتطلب ميزانية كبيرة.

يذكر أن وزير الآثار الدكتور خالد العنان تعهد بتصريحات رسمية في 31 مايو/أيار 2018، بتطوير المنطقة وعقد مذكرة تفاهم بين شركة آغاخان للتنمية الثقافية وبين وزارة الآثار لتطوير المنطقة، وهو ما بدأ بالفعل ولكن لم يكتمل العمل فيه بعد.

رغم الأهمية التاريخية للحي فإنه يعاني من الإهمال (الجزيرة)
رغم الأهمية التاريخية للحي فإنه يعاني من الإهمال (الجزيرة)

إهمال كبير
وقال الباحث في التراث الإسلامي عمرو صالح -للجزيرة نت- إن هناك إهمالا كبيرا من المحليات للحي ولشوارعه، فالمكان امتدت إليه يد العشوائية بعد أن تغيرت التركيبة الاجتماعية هناك.

وعلى سبيل المثال، شارع المغربلين يعد من الشوارع التي تزخر بالآثار الإسلامية الكثيرة، ولكن رغم هذا فالمباني والمساجد الأثرية تحولت ساحاتها إلى أسواق للباعة الجائلين منذ سنوات، مثل مسجد قوسون الساقي بالقرب من باب زويلة الذي شيد عام 1330.

وهناك أيضا مسجد جاني بك الأشرفي الذي كان مملوكا للسلطان الأشرف برسباي أحد سلاطين المماليك وشيد عام 1427.

ولفت إلى أن من أبرز آثار شارع المغربلين الذي لا يقل أهمية عن شارع المعز لدين الله الفاطمي، زاوية عبد الرحمن كتخدا التي أنشئت منذ نحو ثلاث قرون، وتعتبر من أجمل آثار منشئها الأمير المصري في عصر الدولة الفاطمية، وتتألف من طابقين الأرضي يحوي حوانيت والثاني يحوي قاعة كبيرة للصلاة.

المصدر : الجزيرة