شعار قسم مدونات

مونديال قطر.. وترويض الكراهية

تستعر حملات التشويه المناهضة لفعاليات مونديال قطر 2022، ضمن إستراتيجية الغرب المروّجة لثقافة مغايرة وهويات عابرة، ومن الرياضة التي تعدّ متنفس الإنسان وملجأه من ضنك الحياة التي تسفها الحروب وتنخرها الأزمات، تتجدد خطابات الكراهية والتمييز المعادية للقيم الإنسانية المشتركة، ليس على المستوى الشعبي المأزوم بعقلية المنتجات السريعة والثقافة الجاهزة، بل من أعلى مستويات القرار السيادي للدول "ذات السبق والتفوق الديمقراطي"، حضارة تكاد تتبرأ من نتاج رياضي جامع، حينما يبدع الآخر كونه عربيا أو مسلما في تلقين أعتى المؤسسات الغربية الاستيطانية دروسا أخلاقية بوسائله الأصلية وابتكاراته المحلية. فهل ينجح المونديال في كسر الصورة النمطية للشرقي والعربي، أم أن الغرب ليس بمقدوره أن يستمع إلا إلى صوته المنادي بصدام الحضارات؟

حدث استثنائي

بعد سنوات من العمل الحثيث على تنمية البنية التحتية واستحداث منشآت رياضية فائقة الإبداع والجمال، تتميز دولة قطر بعروبة هويتها وحاضنتها الإسلامية في استضافة حدث عالمي جامع للشعوب المختلفة والثقافات المتباينة، داخل مجامع رياضية مبتكرة من هوية البلد المستضيف وتراثه العريق، غير أن الحدث العالمي مع ما يمثله من موطن ظرفي لتلك الوجوه المبتسمة من على كراسي ملاعب المستديرة، بات "حدثا استثنائيا" لا يمكن لأي فرد مولع بكرة القدم أن يتجاوز تداعياته وصرخات مناصريه.

كرة تتقاذفها الأرجل وتتلاطمها الرؤوس باتت تشكل الحلقة التواصلية في تقريب الثقافات واحترامها، بل إن مونديال قطر 2022 تجاوز كل الافتراضات القائلة باستحالة إنجاح تظاهرة عالمية يولع بها الملايين من البشر، والتي تأتي عقب سنوات من الحصار والخوف والقتل والتهجير، فمن أهوال الجائحة التي أتت على اقتصادات وطموح الناس في الرّفاهية، إلى الحرب الأوكرانية التي باتت تهدد الغرب اجتماعيا واقتصاديا، والتهجير ساد بقاع من دول العالم.

أتاحت كرة القدم -بوصفها اللعبة الأكثر شعبية في العالم- متنفسا لدى كثيرين ممن آلامتهم نوائب الجائحة ونوازل الحرب، كرة أعادت إلى ذهنية الجماهير المحتشدة على حدود البساط الأخضر أن البشر بوسعهم أن يمنحوا للعالم سلاما مستديما إن امتلكوا الرغبة والإرادة الحقيقية واحترموا اختلافاتهم الثقافية والهوياتية، إذ إن استعادة الحياة اليومية بكل تفاصليها المملة والمبتذلة، والسعي خلف مشاهدة المباريات بكل صخبها ومتعتها، كان بمثابة تحد للظروف الاستثنائية القاسية التي أحاطت بالبشرية، ومع صفارات انطلاق مونديال قطر 2022 تتوارى الأخبار السيئة التي ملأت الشاشات، لتحل محلها أهازيج الانتصارات ولافتات ثقافة إنسانية جامعة، كان لقطر السّبق في نيل شرف التحدي والتميز.

شارات طروادة.. تسلل فاضح

تبدو القصة برمتها مجرد متعة عابرة ولحظات مقتنصة من تاريخ البشر المفعم بالإثارة والجنون، تاريخ وإن تباينت وقائعه بين الخوف والأمن، والمحبة والكراهية، والهجرة والوطن، فإنه يظل عنوانا أبديا لسيرة الإنسان المبدع والمتفاني لنيل شرف التحدي والصمود، في وجه آلة التدليس والتحريف المستمرة، بل إن أسوار التعايش والمحبة للإنسانية بانت على قوّتها مع الهجمات المتلاحقة من لدن أدعياء الحرية والديمقراطية، ومثلما كانت الآيات التاريخية تسرد اللحظات الباقية في وجدان الإنسانية وصور الأساطير العابرة أزمنة حقيقتها، فهي في الوقت ذاته تكتب جَوْرَ الحضارة المادية ضد الإنسان بخيباتها وتخليها عن القيم التي من شأنها أن تحفظ للإنسانية عزّتها وتفوّقها على سائر أجناس المعمورة.

ولعل الرياضة بوصفها فنّا إنسانيا جامعا لمختلف الثقافات والهويات، فإنّها اليوم تقف على مرحلة من تاريخها مرتبطة بشكل وثيق بالمبادئ التي أقيمت على أسسها، تلك المخاطر المحدقة بالرياضة بشكل عام وكرة القدم بشكل خاص، لا تتمثل في الظروف الاستثنائية التي من شأنها أن تؤخر حدثا رياضيا أو تعطله عن موعد استحقاقه، مثلما تحدثه الطبيعة في تقلباتها وحروب البشر مع بعضهم البعض، وإنّما بالمكوّن الرياضي نفسه، المجهّز للمنافسة والتسابق للإثارة والتميز، للحظات المتسمة بمتعة المشاهدة، إنها مرتبطة بالإنسان نفسه تكوينا وتعريفا، هوية وثقافة، تاريخيا واجتماعيا، وذلك بالسعي المستميت لكسر أسوار الإنسانية المبنية على قيمها المشتركة، وثقافاتها المتنوعة، واحترامها للطبيعة البشرية، كمكون رئيسي للعالم القائم على صنعة الإبداع والتفنن.

نستذكر معا أسطورة حصان طروادة في شكل هدية للآخر الذي يريد من العالم أن يحترم ثقافته وهويته وتميّزه، لكن هذه المرّة ليست ثمة حروب حدها السّيف ولا القنابل، بل حمالات مستنفرة تقودها النيوليبرالية المؤسساتية بشارات عدائية لفرض "نمط إنساني مغاير" عن الخصوصية الجغرافية والثقافية لكل مجتمع، ليس حبا في المجتمعات العابرة ولا الهويات الجندرية، بل ورقة في سجل ضغوط الهيمنة الغربية التي لا تتسع جغرافيتها ولا مؤسساتها الاستيطانية للأقليات المسلمة والهجرة غير النظامية، ومع ذلك يتصدر "المشهد الحضاري" في تقديم الدروس الأخلاقية أولئك الذين ألحقوا بالعالم جرّاء نزعتهم الفوضوية والبربرية الكثير من الضحايا والمفقودين، في تغافل مخز للإعلام الذي يدّعي الحرية.

مونديال بألوان الحقيقة

ومع استمرار حملات التضليل والتلفيق التي دأب الغرب على ترويجها عن المشرق والإسلام، تتصدر الصور المثيرة للبهجة والتميز شاشات الملايين من البشر، وهم يشاهدون المنافسات الكروية في أبهى حلة مشرقية، ضمن مونديال قطري عربي روّض الحملات المستعرة ليس على البلد المستضيف فحسب، بل على التنوع البشري والإنساني الباعث على احترام الآخر ثقافة وهوية وتاريخا، وبدل المناكفات المحرضة ضدها، وتحريف المنافسة الكروية كونها ترويج للإرهاب وقمع للحريات الشخصية، انبرت الجماهير من عشاق كرة القدم للرد على أدعياء الحرية وتلفيقاتهم المستمرة التي قادتها كل من ألمانيا وفرنسا بشكل استثنائي.

حتى إن المنتخب الذي لوّح بشارة النازية عام 1938 حيث كان جرم النازية آخذ في الانتشار، يعيد الكرّة اليوم بلجم أفواههم ليس على تجريم القتل المنظم للفلسطينيين ولا البورميين، بل على عدم احترام الملايين المستضيفة لفاعليات المونديال، متناسين القوانين العنصرية التي تبثها المؤسسة النيوليبرالية بلجم حرية الآخر في أوروبا، تلك الأفواه التي لم يسعفها الباعث الإنساني ولا الأخلاقي في تحقيق مكسب سياسي لحملتها التحريضية، وسرعان ما تداعت سرديتها أمام الأسوار التي بنيت من خلال السياسات الرشيدة والخطط الإستراتيجية للقائمين على مونديال قطر.

أن تكون رياضيا عليك أن تحترم الآخر أولا؛ فالخسارة أمام منافسك مكسب وشرف، فما ظنكم بلعبة جمعت الملايين من البشر حولها، أن يستفيق محبوها على نغم مونديالي عربي كان بالأمس البعيد حلما، ليصبح اليوم واقعا معاشا تتناقله القنوات والشاشات مع ما يحمله من صور التآخي والاحترام والكرم العربي، مونديال وإن بدت معالمه تتجسد مع كل هجمة مرتدة تقودها قطر على أولئك الذين قللوا من شأن القائمين على تنظيم المونديال، فهم أمام حقيقة تجاوزت الفعاليات الرياضية والأنشطة الترفيهية، ليغدو مونديال قطر 2022 ساحة مفتوحة منزوعة الألغام الاستشراقية للتعريف بالعربي والمشرقي كحقيقة باقية.