شعار قسم مدونات

عندما هددت الفيفا إسرائيل؟

حاول عدد من المنتخبات الأوروبية تحدي دولة قطر وفرض رفع بعض الشعارات، وكانت الدولة المضيفة لكأس العالم طلبت احترام ثقافتها العربية والإسلامية، وعدم رفع تلك الشعارات. إلا أن محاولات هذه المنتخبات اصطدمت بقرار الفيفا التي فرضت عليها احترام قرارات دولة قطر، مما اضطر أفرادها للخضوع صاغرين رغم تصريحات مسؤوليهم بعدم رضاهم عن ذلك. فما قصة هذه المنظمة (الفيفا) التي تنصاع إلى قراراتها القوى العظمى في العالم؟

بدأت كرة القدم العصرية كلعبة في بريطانيا في القرن الـ19، وسرعان ما انتشرت في جميع أنحائها، لكن كان كل إقليم من الأقاليم الأربعة البريطانية (إنجلترا، أسكتلندا، أيرلندا، بلاد الغال) له قوانينه الخاصة لهذه اللعبة. وفي أواخر القرن الـ19، بدأت كرة القدم تنتشر في أوروبا والعالم، لكنها كانت تُلعب بطريقة عشوائية.

وكعادة الفرنسيين في ريادة تنظيم الرياضات، قرّروا في بداية القرن الـ20 تنظيم لعبة كرة القدم. وفي 21 مايو/أيار 1904 تمّ في باريس تأسيس الفيفا (الاتحاد الدولي لكرة القدم) بمشاركة فرنسا وهولندا وبلجيكا والسويد والدانمارك وسويسرا وإسبانيا.

وطُلب من البريطانيين توحيد أنفسهم كرويا والدخول في الفيفا تحت غطاء المملكة البريطانية، لكنهم رفضوا، ودخل كل إقليم كعضو مستقل، لذا نجد في بريطانيا إلى اليوم 4 منتخبات و4 بطولات (وهو ما يفسر وجود إنجلترا وبلاد الغال في نفس المجموعة في مونديال قطر). كما فرضت بريطانيا أن يكون لها 50% من الأصوات في مجلس الفيفا الذي ينظّم قوانين اللعبة وتكون للاتحادات الأربعة مقاعد قاريّة في المجلس.

وكان أول رئيس للاتحاد هو الفرنسي روبير غيران. وكان الاتحاد لا يتدخل إلا في تنظيم الألعاب التابعة للجنة الأولمبية. ولكن منذ أن ترأسه الفرنسي جول ريمي، نظّم بطولة خاصة بالفيفا عام 1930 المعروفة بكأس العالم، والتي تعد اليوم أهم مسابقة في العالم. وتحوّل مقر الفيفا عام 1932 من باريس إلى زيورخ في سويسرا (لأسباب جبائية بحتة).

ورغم أن الفيفا هي مؤسسة غير ربحية، فإن لها رقمَ معاملات ضخما وصل لحدود 6.4 مليارات دولار واحتياطيا نقديا بـ2.74 مليار دولار.

واليوم الفيفا تضم 211 عضوا؛ أي أكثر من الأمم المتحدة نفسها. وبالرغم من أنها تشترط للعضوية أن تكون الدولة متحصلة على السيادة الكاملة، فإنها قبلت في عضويتها أجزاء من بلدان كبريطانيا كما تحدثنا سابقا، والأقاليم ذاتية الحكم كإقليم جبل طارق التابع لبريطانيا وهونغ كونغ التابع للصين وتاهيتي التابع لفرنسا، والدول غير مكتملة السيادة مثل فلسطين. لكن لمّا برزت مشاكل سياسية عندما طلب إقليم الباسك الانفصال كرويّا عن إسبانيا، والكيباك عن كندا، قرّرت الفيفا قبول الدول ذات السيادة الكاملة حصريا. ورغم هذا، فتوجد دول عندها سيادة كاملة لكن صغر حجمها أو طبيعتها السياسية أو الجغرافية لا تسمح لها أن تكون عضوا في الفيفا أو أن تكوّن منتخبا كإمارة موناكو ودولة الفاتيكان.

وتساهم الفيفا في عدة حركات للنهوض بتنمية العالم، كفرض ضرائب على الأعضاء الكبار للمساهمة في محاربة الفقر، والمشاركة في محاربة تشغيل الأطفال عن طريق مقاطعة التعامل مع الشركات التي تصنع الكرات والمعدّات الرياضية عن طريق استغلال الأطفال. كما أن للفيفا سلطة وكلمة أقوى حتى من الأمم المتحدة، ففي عام 2000 مثلا، كانت دولة لبنان تستعد لتنظيم كأس آسيا للأمم في سبتمبر/أيلول، وكان رئيس الوزراء الصهيوني آنذاك إيهود باراك يستعد لسحب قواته من جنوب لبنان في مايو/أيار، لكنه هدد في تصريح أنه سيدمر البنية التحتية اللبنانية قبل الانسحاب. فحاولت الأمم المتحدة الضغط عليه لكنها فشلت في ثنيه، فالتجأت الحكومة في لبنان للفيفا، فأصدرت الفيفا تهديدا صريحا لإسرائيل بشطبها مدى الحياة إذا ما تجرّأت على ضرب لبنان قبل كأس آسيا. وفعلا انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان من دون إطلاق أي رصاصة. كما أن الفيفا استطاعت فرض كلمتها على الحكومات، حتى الدكتاتورية منها، لمّا أجبرتها على عدم التدخل في شؤون الكرة في بلدانها (بلدان تلك الحكومات)، ونجحت في ذلك.

لكن في مايو/أيار 2015، وفي فترة انتخابات الفيفا، تم إلقاء القبض في سويسرا على عدّة أعضاء تنفيذيين في الفيفا بتهم الفساد، ممّا أجبر رئيسها جوزيف سيب بلاتر على الاستقالة، في أكبر فضيحة ماليّة في تاريخها، حيث ثبت أن سياسة الفساد والرشوة أصبحت مسيطرة على هذه المنظمة. وقد زعزعت الفضيحة صورة الفيفا، وكادت أن تقسمها وتضعفها. ونجح الرئيس الحالي جياني إنفانتينو، إلى حد كبير، في إعادة هيبة الفيفا وسمعتها كأقوى منظمة وأنبلها في العالم، والذي يحدث في مونديال قطر ما هو إلا دليل على ذلك.