شعار قسم مدونات

الرضا والقبول في الحياة

اللهم ارزقنا الرضا والقناعة بما قسمت لنا واجعلنا من الشاكرين لنعمك علينا.

أتتبع عقارب الساعة لكي تنتهي ساعات دوامي وأنصرف، تنتابني السعادة عند خروجي من العمل، أفكر أن أنتزع من رأسي أفكار التأفف وعدم القبول وأزرع فكرة التكيف مع كل شيء، إلا أن هذا الأمر يبدو معقدا.

أنتظر أمام موقف الحافلة بالتزامن مع بداية فصل الشتاء الذي لم يفرغ من طياته دفئا بسيطا من الشمس وانتظر أكثر من 40 دقيقة، الانتظار في الحياة يتكرر ويتجدد مع كل شيء.

في الحقيقة أنا لا (أرضى) أن أبقى منتظرا في البرد والهواء يلفح وجهي وأنا أعرك راحتي كفي مع بعضهما لأحصل على قليل من الدفء، لكني (أقبل) لأنني مجبر على هذا، في المحصلة أنا أرضى بأن أصعد سيارة صديقي الذي يأخذني إلى بيتي. والنقطة هنا أن الرضا غالبا ما يرفقه السرور أما القبول فهو محتم سواء بسرور أو من دون سرور.

وصلت الحافلة وها هو صديقي يجلس بجانبي في الحافلة، كان يتكلم بشغف وبسرعة، كان مقبلا على الحياة بشكل واضح، أشعر بأنه يتماهى مع الحياة، لم أدرس شخصيته عن كثب ولكن من بعيد هكذا بدا.

كان يضحك كثيرا لدرجة أن عينيه ابتلتا بالدموع من كثرة الضحك، ولم يتح لي الفرصة بالكلام، حديث نفسي بالتعلم في الحياة لا ينتهي أبدا، مهما كبرت ومهما تعلمت ينقصك أشياء أكثر من التي تعلمتها.

الآن أنا جالس في الحافلة أمام شخص خمسيني أبيض الشعر أجعد اليدين متكئ على نافذة الحافلة، يترنح بين النوم واليقظة، يبدو عليه التعب من يوم عصيب مليء بالفوضى، إلا أنه يبدو على حال القبول بالحياة بحلوها ومرها.

أعود إلى نفسي مرة أخرى قائلا: الأهم من ذلك كله هو النظر بعين الرضا، فالرضا والقبول في القدر والحياة يريحانك من هموم شتى، والقبول هنا ليس أن تقبل بكل شيء، لكن أن ترضى بالذي كتبه الله لك وتعمل على تغير القسم الآخر لا أن تنكر الاثنين وتتأفف، القبول والرضا من أهم العوامل التي تساعدنا على العيش بتوازن في هذه الحياة، لا تقبل إلا بالحق واصبر على المكتوب.

لكل فرد منا حياة عصيبة لا تخل من المنغصات وسواء أبى أم قبل ستسير الحياة بكلتا الحالتين، كالصائم الذي يصوم مجبرا والصائم الذي يصوم متلذذا بالعبادة وفي المحصلة كلاهما سيفطر لكن الأجر والثواب يختلف..

ولا نغفل عن أن الإيمان بالقضاء والقدر هو ركن من أركان الإسلام، فهو شطر يعيننا بقسم كبير في إطار حياتنا، قال الله تعالى: "إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا".

فإن الله سبحانه وتعالى قدر وكتب كل شيء بمقدار، إلا أن النفس البشرية تميل إلى العجلة واستنفاد الصبر بشكل أو بآخر. وهنا أتى دور الشريعة الإسلامية في تأطير تلك الأمور.

أريدك أن تعرف أن هناك هموما لم تصبك بفضل الله، من منا لم يدخل المستشفى؟ فربما ندخلها لأجل مولود أو إصابة أو فحص عام أو من أجل حياة أخرى.

في المستشفى يا أعزائي ترون ما لم يره أحد قط:

  • ترون طفلا يحمل كيسا موصولا بأنبوب يخرج من تحت ملابسه يتنظر دوره في غسل الكلى. في المستشفى ترون شابا يافعا أصفر الوجه أجرد الشعر وقد أنهكته واستهلكته العلاجات الكيميائية.
  • ترون كبار السن يعانون ويصرخون ولا يعرفون أين هم.

مهما عاركتك الحياة وعضت عليك بنواجذها وطحنتك بين راحتيها وأزعجتك بمنغصاتها تذكر أنك تتمتع بصحة كاملة وإن لم يكن لك الحاجة لزيارة تلك الأقسام التي هي مجتمع آخر ينفصل عن مجتمعك الحالي، احمد ربك في كل صلاة ووقت، لا تحصر التزامك بالعبادات عندما يحل بك سوء فقط، كن مدركا لكل شيء واستبق الأحداث.

وفي الختام.. ردد معي "واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم)".