شعار قسم مدونات

مونديال قطر والتعارف الإنساني

مع انطلاق كأس العالم 2022 لأول مرة بدولة عربية وإسلامية هي قطر، سيكون التعارف الإنساني، كمقصد قرآني ومطلب حضاري بين زوار المونديال، لا يقل متعة عن التمريرات السريعة والأهداف الرائعة بهذا السباق التاريخي.

فبلغة الأرقام، سيتابع مباريات مونديال قطر الذي افتتح في 20 نوفمبر/تشرين الثاني ويستمر 29 يوما، 3 إلى 4 مليارات نسمة حول العالم، ويتوقع حضور نحو مليون نسمة من مختلف أنحاء العالم خلال البطولة.

وهذا زخم إنساني كبير للغاية قد يساعد على وجود مساحات مشتركة ورسائل حضارية بناءة بين الشعوب، ولاسيما بهذه المرحلة شديدة التعقيد والمليئة بالأزمات والصراعات عالميا.

وقد ينتج عن هذا التعارف الإنساني انطباع جيد عنا كشعوب عربية وإسلامية، لدى مختلف الشعوب التي ستحضر المونديال أيا كان دينها أو معتقدها، ويصب في صالح جالياتنا لدى الغرب، ويقلل من الإسلاموفوبيا، ويعطي انطباعا حقيقيا عن حضارتنا العربية والإسلامية ومشروعها الإنساني العظيم.

هناك مسؤولية كبيرة علينا كعرب ومسلمين في دعم مونديال قطر من مختلف جوانبه، لاسيما على مستوى التعارف الإنساني، الذي بكل تأكيد سيصنع فارقا هاما ومؤثرا

وقد يصاحب هذا التعارف الإنساني مرود إيجابي أكثر تفهما أن حضارتنا العربية والإسلامية وتقاليدنا ليس ضد الحريات ومن الظلم تقديمها هكذا، في ظل أن الأنصار الحقيقيين لتلك الحضارة يؤمنون بالتعايش ويحترمون قيمهم وتقاليدهم، مثلما هم مطالبون تماما باحترام الآخر وأفكاره التى يجب أن تحترم قوانين وخصوصيات أي مجتمعات أخرى.

ولذا فهناك مسؤولية كبيرة علينا كعرب ومسلمين في دعم مونديال قطر من مختلف جوانبه، لاسيما على مستوى التعارف الإنساني، الذي بكل تأكيد سيصنع فارقا هاما ومؤثرا، كأحد مخرجات النجاح عقب انتهاء هذا السباق الكروي التاريخي.

وعندما نتحدث عن أهمية التعارف الإنساني، فهذا بلا شك يصاحبه إيمان شديد لدينا كعرب ومسلمين بأهمية أن نكون أحرص الناس تمسكا بأخلاقنا وقيمنا دون غلو أو تفريط، فكل ما نريده هو تقديم نموذج بناء عن سلوكياتنا وأفكارنا وهويتنا للآخرين، الذين سيتوافدون ويتابعون بالملايين تلك المتعة الكروية، ولا مانع من زاد إنساني يتفقده العالم حاليا.

التعارف الإنساني مبدأ أصيل في كتاب الله

وعندما نتحدث عن التعارف الإنساني، يأتي في أذهاننا على الفور مبدأه الأصيل في كتاب الله عز وجل ونحن نتلو سويا قوله تعالي: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا} [الحجرات: 13].

وتلك الآية تؤسس منذ مطلعها {يا أيها الناس} إلى "خطابٌ عالمي للبشرية كلها بتنوعها وتعددها واختلاف ألسنتها وألوانها عبر نداء إنساني يساويهم جميعا" مرورا بـ {إنا خلقناكم من ذكر وأنثى} التي "تؤكد وحدة الأصل الإنساني للبشرية جمعاء رغم  اختلافهم وتعددهم وتباعدهم في المكان والزمان والأفكار، نافية أوهام استعلاء بعض الأجناس أو القوميات أو الأعراق أو الشعوب على بعض".

وهذا التنوع الإنساني نفهمه ونحن نواصل القراءة لباقي الآية الكريمة متوقفين عند {وجعلناكم شعوباً وقبائل} فهذا إقرار إلهي بأن "التنوع في الألسن والألوان والأعراق يَؤُول -ولا بد- إلى تنوع في الدين والمذهب والمرجعية والرؤية الفلسفية والنظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية".

فلسفة التعارف قائمة على الإنسانية، أرشد لها الله عز وجل وأكد عليها، بما يجعل من العالم "منتدى حضارات" بين أعضائه مساحات كبيرة من المشترك الإنساني  ولكلٍّ منهم "هُوية حضارية وخصوصية ثقافية يتميز ويتفرد بها"

وهذا الإقرار نفهم منه "أهمية التواصل بين مختلَف مكونات الشعوب حتى لا نصير شيعا متباغضة تعتمد مفاهيم صراع الحضارات (المزعوم) وآليات التبعية والهيمنة، وذلك يكون بالاعتراف المتبادل بالحق في الوجود، وبتبادل العلوم والمعارف دون احتكار، وبالتعاون فيما هو مشترك إنساني عام ومحل اتفاق، وبالتنافس الشريف، في إطارٍ من الاحترام المتبادَل للهُويات والخصوصيات".

وعندما نتوقف عند {لتعارفوا} نستكمل بناء ملامح هامة في تأسيس ذلك التعارف الإنساني، ففي اللغة: العَرْفُ: الرائحة الطيبة الزكية، فالتعارُف: تفاعُلٌ بين الناس بالمعروف، وبالحسنى فيما هو مستحسن، وهذا التعارف بتوجهه العالمي من خصائص الإسلام.

فالله عزوجل هو {رب العالمين} [الفاتحة: 2]، و{رب الناس} [الناس: 1] ، ورسولُ هذا الدين ذاته، ما أرسله ربه إلا {رحمة للعالمين} [الأنبياء: 107]، وكتابُ هذا الدين، {إن هو إلا ذكرٌ للعالمين} [ص: 87]، و{ذكرى للعالَمين} [الأنعام: 90].

فهذه الطبيعة العالمية للدين تستلزم حوارا وتعاونا وتصحيحا للصورة، دون "انغلاق" أو "ذوبان" ودون صدام وكراهية، مع انتفاء النزعة الاستعلائية وازدواجية المعايير في التعامل دون ادعاء باحتكار الفضائل وتجمع الشرور والرذائل في قطاع بعينه دون غيره من البشر.

لذا، فـ فلسفة التعارف قائمة على الإنسانية، أرشد لها الله عز وجل وأكد عليها، بما يجعل من العالم "منتدى حضارات" بين أعضائه مساحات كبيرة من المشترك الإنساني، ولكلٍّ منهم "هُوية حضارية وخصوصية ثقافية يتميز ويتفرد بها" و"مصالح وطنية وقومية وحضارية واقتصادية وأمنية تخصه" لابد من مراعاتها، في إطارٍ مِن "تكامل المصالح وارتفاقها وتوازنها" لا "تضادها وتنافيها وصراعها" وعلى قاعدةِ المساواة في الكرامة، والعدالة في المعاملةِ وتبادلِ المنافع، بلا طغيان ولا إخسار، بدلاً من فلسفات ونزعات الصراع والهيمنة والقهر والاستغلال.

وعندما نستكمل الآية نقرأ "إن أكرمكم عند الله أتقاكم" لتنبه على أن التعارف "أساسه هو التقوى، التي تعني الاستقامة على ما يحقق للإنسان سعادته في الدارين، وراحتَه وطمأنينته في الحياتين، والمقياس الذي يبعث على التنافس الجميل، لا على التحاسد البغيض".

وإجمالا يعدّ التعارف الإنساني من المقاصد القرآنية ومن أبرز قيم الحضارة الإسلامية وسمات الشخصية الإسلامية المتوازنة، بغية فتح مجال الحوار والتفاهم والتعاون والتكامل، بعد تصاعد الخطاب التحريضي السلبي الصدامي الذي يؤبّد الصراعات بمختلف أنواعها.

ليس اهتمام حضارتنا الإسلامية والعربية بالتعارف الإنساني وليد اللحظة مع هذا الزخم العالمي، ولكن له أصول قديمة للغاية، منذ اهتم مسلمو مكة بما يحدث حولهم مما بين الفرس والروم وحال أهل الحبشة

اهتمام ليس وليد اللحظة

وليس اهتمام حضارتنا الإسلامية والعربية بالتعارف الإنساني وليد اللحظة مع هذا الزخم العالمي، ولكن له أصول قديمة للغاية، منذ اهتم مسلمو مكة بما يحدث حولهم مما بين الفرس والروم وحال أهل الحبشة، مرورا بدورهم العظيم على مدار التاريخ العربي والإسلامي في المشاركة في بناء وتطوير أي مجتمعات يوجدون فيها أو يرتحلون لها.

ويكفي في هذا الصدد ما قاله الكاتب الغربي، مايكل هارت في كتابه "الخالدون مئة أعظمهم محمد" "لقد اخترت محمداً في أول هذه القائمة ولابد أن يندهش الكثيرون ولكن محمداً هو الإنسان الوحيد الذي نجح نجاحاً مطلقاً على المستويين الديني والدنيوي وهو قد دعا إلى الإسلام ونشره كواحد من أعظم الديانات وأصبح قائداً سياسياً وعسكرياً ودينياً (..) ومن وفاته فإن أثر محمد (عليه السلام) ما يزال قوياً".

لم يقع المسلمون في الغرب الذين دعموا مجتمعاتهم الغربية في فخ "صراع الحضارات" المزعوم والذي هو حرب الجميع على الجميع

تعارف لا صراع

والمشروع الغربي الذي يبرر صراع وصدام الحضارات قد يزعجه دعوات التعارف الإنساني، ولم لا ومؤسس نظرية ذلك الصراع صامويل هنتنغتون كان جل تفكيره في مهاجمة الحضارة الإسلامية، ولا يمكن تفكيك ذلك بعيدا عما يحدث مع تنامي الإسلاموفوبيا وذلك الصراع المفتعل غربيا.

ويحاول أنصار المشروع الغربي المتطرف دعم "نشر صورة نمطية سلبية على نطاق واسع في وسائل الإعلام عن الإسلام والمسلمين" رغم أن المسلمين مكون أساسي بالمجتمعات الغربية لهم كامل الحقوق والواجبات.

ولم يقع المسلمون في الغرب الذين دعموا مجتمعاتهم الغربية في فخ "صراع الحضارات" المزعوم والذي هو حرب الجميع على الجميع، وكذلك نحن كمجتمعات عربية وإسلامية علينا دور مع قرب المونديال عن طريق دعم التعارف الإنساني، وألا نعطي مبررا أو أرضية لذلك المشروع الغربي للنيل من حضارتنا العربية والإسلامية وتصورها بأي شكل سلبي.

أنت نسخة معبرة عن ذلك الحوار الحضاري تمشي على أرض المونديال وفي فنادقه ومواصلاته ومبارياته ومدرجاته وشوارعه، وبالتالي من الأولوية القصوى تأكيد المفاهيم الكبرى من التعايش

البديل الإيجابي

وعبر التعارف الإنساني، نراهن على أن إمكانية طرح البديل الإيجابي في نسخته الإسلامية المتمثل بحوار الحضارات، ليكون أكبر انتصار على ذلك المشروع الغربي الصدامي المثير للإسلاموفوبيا.

ويكفي في تقديم هذا البديل الإيجابي أن نكون جميعا متمسكين بأخلاقنا وقيمنا، والحرص على إظهارها دون غلو أو تفريط بين تلك التجمعات، ونفتح حوارات ومساحات مشتركة إيجابية من الحوار الذي يجب فقط ألا يكون مستندا إلى نقاش ديني بحت، فتكفي الأخلاق والثقافة معبرا عن ذلك.

فأنت نسخة معبرة عن ذلك الحوار الحضاري تمشي على أرض المونديال وفي فنادقه ومواصلاته ومبارياته ومدرجاته وشوارعه، وبالتالي من الأولوية القصوى تأكيد المفاهيم الكبرى من التعايش وغيرها، وأن الحضارة الإسلامية ليست ضد الحريات أو حياة البشر، وليست داعمة للحروب أو الدماء.

سيكون حسن التعامل والمظهر والأفكار الإيجابية وتقديم الخدمات، وانبهار الضيوف بما يقدم خلال المونديال، أقصر الطرق الداعمة لتعارف إنساني بناء يصب في تأكيد أن حضارتنا داعية للحوار والجمال دون انغلاق أو ذوبان.

أهمية المبادرات

ومبكرا بدأت مبادرات في قطر مثل مبادرة رابطة الجمهور العربي التي أطلقها الناشط القطري فيصل التميمي، وحضرها نحو 5 آلاف مشجع من دول عربية عديدة في قاعة لوسيل الرياضية من أجل القيام ببروفة تشجيعية ومساندة للمنتخبات العربية بالمونديال، وهي قطر والسعودية وتونس والمغرب.

وحسنا فعلت تلك المبادرة، والتي يجب البناء عليها في مبادرات مماثلة تخاطب جماهير كافة المنتخبات، مع حسن استقبال الضيوف وإعلاء حالة الحوار وإظهار الكرم العربي وبناء صداقات مبنية على الندية وليست الدونية.

وسيكون حسن التعامل والمظهر والأفكار الإيجابية وتقديم الخدمات وانبهار الضيوف، بما يقدم خلال المونديال، أقصر الطرق الداعمة لتعارف إنساني بناء يصب في تأكيد أن حضارتنا داعية للحوار والجمال دون انغلاق أو ذوبان.

ولا شك أن فعلا واحدا إيجابيا يدرك معني التعارف الإنساني، في هذا المونديال، وهو داعم للحضارة العربية والإسلامية، سيكون له مفعول السحر في وجدان المشاركين لاسيما من الدول الغربية لمعرفة حقيقة حضارتنا وأنها قادرة على التعايش والبناء والحوار مع غيرها من الحضارات والثقافات.

إنها يا أحباب وفق ما ذكر أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في خطاب مجلس الشورى القطري في 25 أكتوبر/تشرين الأول افتتاح دور الانعقاد العادي الثاني من الفصل التشريعي الأول "باختصار مناسبة نظهر فيها من نحن ليس فقط لناحية قوة اقتصادنا ومؤسساتنا، بل أيضاً على مستوى هويتنا الحضارية" فلا تخذلوا هويتنا الحضارية.