"شانتارام" مجرم أسترالي يبحث عن الخلاص في الهند

ظلت قصة البطل المليئة بالمغامرات المثيرة نقطة القوة الكبرى للمسلسل الذي حافظ على غموض عوالمه الليلية عن طريق التصوير المذهل لها داخل الأحياء الفقيرة.

أثار مسلسل "شانتارام" (Shantarm) الذي عرض مؤخرا على شاشة شبكة "آبل" (Apple)، غضب الجمهور الهندي، إذ قدم العمل البلاد كأنها مجموعة عصابات وساحة حروب قديمة متجددة، وقدمت الأحداث بعيون "رجل أبيض" في أرض أجنبية.

أظهر "شانتارام" الهنود كغرباء في بلدهم، وقدم عددٌ من النقاد مراجعات أبرزت الانزعاج الذي ظهر في المجتمع الهندي من العمل، الذي يصوّر كآبة الوجود على هامش المجتمع الهندي غير الصالح لاحتضان رجل أبيض غريب. وتجنّبت القصة إظهار فساد الرجل الأبيض الذي تمت إدانته أولاً قبل لجوئه للمجتمع الهندي.

المسلسل أخذ عن رواية بالاسم نفسه للكاتب الأسترالي غريغوري ديفيد روبرتس عام 2003، تصور الرواية الحياة في بومباي أوائل الثمانينيات من القرن الماضي وحتى قرب التسعينيات، وهو ما اعتبره نقاد الأدب سمة مميزة للعمل الذي نال شهرة عالمية وتُرجم لعدة لغات.

الرواية

تدور أحداث الرواية في العالم السفلي لمدينة مومباي الهندية حول رجل مدان يحمل جواز سفر مزورا، استطاع الهرب من سجن شديد الحراسة في أستراليا إلى الشوارع المزدحمة في المدينة الهندية، لينتهي به المطاف متورطا في حياة جديدة عليه أن يعيشها في حي براباكر الهندي الفقير، يغطس خلالها في مسافات سحيقة من العالَم الخفي لهذه المدينة، كرجل مطارد بلا منزل أو عائلة أو هوية ويتعافى من إدمان الهيروين.

يصل بطل الرواية إلى مومباي حاملاً جواز سفر مزورا باسم ليندسي فورد، ويقرر البقاء فيها مخالفا بذلك خطته الأساسية التي كانت بومباي فيها مجرد محطة توقف في رحلته إلى ألمانيا.

يلتقي فورد برجل محلي يدعى برابهاكار، ويمنحه وظيفة مرشد. يصبح برابهاكار صديقه ويطلق عليه اسم لين (لينبابا). يزور الرجلان قرية برابهاكار الأصلية، وهناك يكتسب اسم شانتارام، أي رجل السلام، من قبل والدة صديقه.

غلاف رواية "شانتارام" (الجزيرة)

يتعرض الصديقان للسرقة في طريق عودتهما إلى مومباي، ويبدأ شانتارام رحلة الغوص داخل المجتمع الهندي الفقير، ويحاول مد يد المساعدة للجميع، ويتعلم اللغة المحلية، ويكافح الكوليرا مع الفقراء، ويتعلم كيفية حل النزاعات العرقية.

رحلة مثيرة قطعها الرجل فعلاً من دون اختلاق أو أحداث خيالية، ليصنع تلك الحياة الدرامية المليئة بالمغامرة والتشويق.

ضياع

تنطلق أحداث المسلسل من خلال رجل يعلّق على أحداث حياته (الممثل تشارلي هونام) قائلاً "أعتقد أنني بحاجة إلى الركض نحو شيء ما بدلاً من الركض من أشياء أخاف منها بلا سبب"، ثم يبدأ رحلة طويلة ومثيرة.

يفترض المسلسل معرفةً مسبقة من المشاهد لقصة البطل الهارب من العدالة، إذ لا يسعى العمل التلفزيوني إلى التأسيس لقصة الرجل، بل يبدأ فورا من لحظة هروبه للدخول سريعا في عالم الأحداث والمغامرات في مومباي الهندية، بين الكثير من الحركة والدماء والأموال غير المشروعة.. وكل تلك العوالم السرية الغامضة.

تنتهي الحلقة الأولى تاركة المشاهد أمام مشاعر متناقضة، تارة متعاطفة مع رجل هرب من الموت والسجن نحو أمل في حياة جديدة، وتارة أخرى محاصرة بمدى مشروعية هذا الهروب وما يمكن أن يترتب عليه من جريمة محتملة أو متوقعة من مدمن سابق كان يبيع السلاح.

وقائع سابقة

يعتمد المسلسل على "الفلاش باك" (استرجاع فني لوقائع سابقة) لمشاهد سجنه وتعذيبه، لتتسارع الأحداث التي يمرّ بها البطل الباحث عن خلاص لحياته، على الرغم من كل الظروف القاسية وغير المتوقعة التي يمر بها.

كيف يمكن التخلص من ذنب قديم وبدء حياة جديدة؟ هو تساؤل وهاجس مستمر للبطل الذي يرغب ظاهريا في تأسيس حياة جديدة، في وقت يورّط فيه نفسه مع كل مشهد في مشكلات قد تتسبب بعودته إلى الحياة التي هرب منها.

تتطور الأحداث سريعا في اتجاه يبدو البطل مُجبرا عليه، وهو دخول عالم المافيا والعصابات في مومباي، التي لا يجد فيها البطل مساحة آمنة خارج هذه العوالم غير القانونية.

يصوّر المسلسل المجتمع الهندي على أنه مجموعة من العصابات المتفرّقة، التي تجبر الرجل "الأبيض" داخلها على الخروج عن القانون من دون إرادته، متجاهلاً حقيقة أن أي مجتمع لديه ما يكفي من المتناقضات بين الخير والشر.

تشارلي هونام (يمين) وفيصل بازي في مشهد من المسلسل (آبل)

لم يستطع صانع الدراما في العمل بناء منطق مقنع بالفعل يبرر به تلك المظلومية التي يقص بها السارد أو البطل حكايته عن اضطراره للخروج عن القانون في الهند على عكس إرادته، وبدا الأمر كما لو أنه كان ملاكا في أستراليا التي هرب من سجونها بعد الحكم بحبسه 19 عاما.

على خلاف المعتاد، لم ينجح المسلسل كثيرا في إظهار المجتمع الهندي بشكل لافت، إذ ثمة سيناريو متواضع وأداء تمثيلي ضعيف باستثناء الكاتبة والممثلة أنطونيا دسبلات، التي لعبت دور كارلا وقدمت أداءً مبهرا لسيدة تتلاعب برجال العصابات وتسعى إلى السيطرة على الجميع.

ظلت قصة البطل المليئة بالمغامرات المثيرة نقطة القوة الكبرى للمسلسل، الذي حافظ على غموض عوالمه الليلية عن طريق التصوير المذهل لها داخل الأحياء الفقيرة.

المصدر : الجزيرة